"وثيقة الجلوة".. وخطوة إلى الأمام

بعد عقود طويلة من المعاناة والتشريد وتطبيق سياسة "العقاب الجماعي"، أدركت الدولة الأردنية أخيراً مدى خطورة وتداعيات "الجلوة العشائرية" على الأهالي والعائلات الذين باتوا ضحايا جرائم قتل ارتكبها أحد أفرادهم في ساعة نحس.

الاستجابة الرسمية من الدولة ومرجعياتها، تمثلت بإصدار وثيقة جديدة لإجراءات الجلوة العشائرية في المملكة، وجرى تنفيذها والسير بها خلال الأسابيع الماضية، على أن تطبق الجلوة فقط على الجاني وأبنائه ووالده، أو الذكور المسجلين في "دفتر العائلة"، وألا تزيد مدتها على سنة قابلة للتجديد، وهو ما يضمن للمجتمع استقراره ومسيرته، في نطاق يحمي حقوق وواجبات الإنسان.   

وأمام مأساة "جرائم القتل" المتكررة والتي تشهد ارتفاعاً كبيراً في المملكة، ستكفل هذه الخطوة الإيجابية بتطبيق الشروط الجديدة للجلوة العشائرية، حق العودة الطوعية الآمنة لمئات المواطنين الذين هُجّروا من منازلهم وفقدوا أعمالهم ومصادر رزقهم.

أرقام وزارة الداخلية تشير إلى وجود نحو 413 قضية عشائرية على مستوى المملكة ما تزال منظورة أمام القضاء، يصاحبها معاناة لمئات المواطنين وأحيانا الآلاف منهم قد تم إجلاؤهم بلا ذنب لهم بالجريمة، سوى أنهم من أقارب الجاني.

برأيي؛ فإن نموذج إصدار الوثيقة يتقاطع مع مسؤولية تطبيق القانون وإنفاذه بمساواة وعدالة ونزاهة، والذي هو حق للمواطنين، ولا يجوز انتهاكه، خصوصاً بما يتعلق بشمول عدد كبير من ذوي الجاني وعشيرته بالجلوة العشائرية؛ والتي تعني إبعاد أهل الجاني في قضايا القتل المتعمد وهتك العرض من منطقة سكنهم إلى منطقة أخرى في المحافظة نفسها، أو اللواء وأحياناً إلى خارجهما، وهي عُرف بدوي الجذور.

إن مسألة ضبط الجلوة العشائرية تحديداً، تحد من العادات السلبية في المجتمعات، وإن استمرار الجلوة بمفهومها الواسع يعني التجاوز على حقوق المواطنين الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية، ولا تخدم الأمن والسلم المجتمعي، بل وتتعارض مع حفظ كرامة الإنسان.

دع عنك، أيضاً سلسلة الإجراءات العشائرية التي تكون مرهقة ومكلفة وشديدة الوطأة على الجميع، من عطوة "فورة الدم" إلى "العطوة الأمنية" حتى "عطوة الاعتراف" ثم عطوة الامهال، وأخيراً عطوة الصلح التي تتحدد فيها قيمة "الدية" التي تعترف بها المحاكم كعذر مخفف للحكم على الجاني.

طقوس ومراسيم تستنزف وقت وجهد الناس وأجهزة الأمن، يمضون فيها أوقاتاً طويلة بين لقاءات ومراكز الشرطة وجلسات تقاضي طويلة الأمد، ما يعني مزيد من الخسائر المادية والنفسية والاجتماعية، والإنسانية.

ورغم أن الجلوة العشائرية تطبق في بعض الدول العربية مثل فلسطين والعراق والسعودية، خصوصاً في جرائم القتل، إلا أنها أوسع انتشاراً وأكثر تشدداً في الأردن، من ناحية شمول عائلات القاتل حتى الجد الخامس في الجلوة، بينما في تلك البلدان قد تقتصر على أهالي الجاني فقط.

في عداد الأمنيات؛ نأمل ونتمنى أن تحقق هذه الوثيقة مداها، بوقف نزيف العقوبات الجماعية على العائلات والأطفال والنساء، وأن تكون خطوة إلى الأمام لإنهاء ممارسات وعادات وتقاليد خاطئة، تخالف الديانات السماوية والقيم والكرامة الإنسانية.

لا نتقول إن قلنا إننا أمام بداية حقيقية وجديدة تعالج آثار وتبعات الجلوة العشائرية، ولا يسعنا إلا التفاؤل والإشادة بمثل هذه الوثيقة، التي ستحفظ الحقوق الانسانية والدستورية للمواطنين، وتمنع تشريدهم من بيوتهم ومناطقهم وأماكن عملهم ورزقهم...لكن الأهم الالتزام بتطبيق بنودها عند وقوع الأحداث وفورة الدم!