الغوص في مجاهل الحياة!

في الثلث الأخير من كل عام، وتحديداً مع افتتاح معرض عمّان الدولي، أعود بذاكرتي لأول كتابٍ قرأته في حياتي، لاستذكر تجربةً جميلةً تملؤها النشوة والألفة والأمنيات -على الأقل بالنسبة ليّ-.  

ولعل تجربتي مع الكتاب، كانت تختلف عمن هم بسني آنذاك، ذلك أن أول ما قرأته كان فوق مستواي العقلي بكثير، ومفرداته "ملغومة ومعقدة"، وهو كتاب "الفتنة جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر" للمؤرخ التونسي د. هشام جعيط، وقمت بقراءته مرات عدة دون أن أفهمه. مع التنبيه أن هذا الكتاب كان ملقً في المنزل لمدة تزيد عن 15 عاماً دون أن أنتبه إليه، كان والدي - رحمه الله-  استعاره من الخال الحبيب الصحفي ماجد توبة ليقرأه، وبقي طوال تلك المدة حتى اكتشفته، ليكون هذا الكتاب أول بحر من بحور الكتب أغوص به في مجاهل الحياة والطبيعة.

في اليوم التالي من قراءة كتاب جعيط، ذهبت إلى المكتبة في جامعة الزرقاء حيث كنت أدرس الصحافة والإعلام هناك، وقد كنت سعيداً، لا أملك من حطام الدنيا إلا التفكير بالكتب ومجاهلها، وإن لم تخني الذاكرة، استعرت وقتها بعض الروايات مثل: "السأم" للكاتب الإيطالي ألبرتو مورافيا؛ و"موت سرير رقم 12" للروائي الفلسطيني غسان كنفاني؛ و"المصابيح الزرق" للكاتب السوري حنا مينه، ومجموعة قصصية للطبيب والكاتب الروسي أنطون تشيخوف؛ والملحمة الشعرية "الفردوس المفقود" للإنجليزي جون ملتون. أتاحت لي هذه المجموعة -الفاخرة لا شك في ذلك لي فيما بعد قراءة الآثار الكاملة لهؤلاء الكبار. 

خلال سنوات دراستي الجامعية، لم أجد مؤنساً لي إلا الكتاب، فأقبلت التهم الكتب التهاماً، وكأنها طعامي وشرابي، فحلّقت في قراءتي في مجاهل الطبيعة، والأدب، والعلوم الإنسانية، والجغرافيا، والفلسفة، وأبحرت في التاريخ، قديمه وحديثه.

وكما الذي يطوف حول العالم، سافرت من خلال الكتاب نحو خفايا وإبداعات العقل البشري، وتجولت كيف أشاء دون جواز سفر، بل وعشت الحياة بكافة تفاصيلها وأنا قابع في مكاني.

هذا الحديث مع الكتاب هو ذلك الحديث الذي لا إسهاب فيه ولا إطناب مهما أطلت! وهو الحديث الذي يدخلك إلى الذات ويفهمك ماهيتها، ويعلمك أن ذواتنا تحتاج إلى المعرفة والثقافة والجمال والفن، فلنبدأ من عمق الذات، ونستمر بالقراءة، والغوص في مجاهل الحياة!