طلال الإمام يُوثق تجربته الكبيرة في مجال الاندماج بكتاب مهم

صدر في العاصمة السويدية ستوكهولم، كتاب جديد باللغتين العربية والسويدية بعنوان "رحلة لن تنتهي" للأستاذ طلال الإمام، يلخص فيه تجربته الغنية في مجال الاندماج، والتي امتدت لخمسة عشر عاماً، عمل خلالها كمستشار في مجال الاندماج في بلدية "يارفللا" شمال العاصمة ستوكهولم.

الكتاب يقع في مائتي صفحة من القطع المتوسط، ويتألف من فصلين، الأول بعنوان "الهجرة والاندماج" يلقي الضوء فيه بإسهاب على أسباب الهجرة ومراحلها، والتحديات والعوائق التي تواجه الاندماج، ودور الأسرة والمدرسة السويدية وأساليب تربية الطفل، أما الفصل الثاني فقد خصصه للأنشطة والفعاليات الاجتماعية والثقافية والفنية والرياضية، التي ساهم بفعالية في تنظيمها ليكون الاندماج في المجتمع الجديد أسهل وأسلس.

هذا الكتاب ... لماذا؟

 "هنا صوتك" التقى بـ "طلال الإمام"، واستفسر منه عن الأسباب التي دفعته لتأليف هذا الكتاب؟ فيقول: "عملت أكثر من خمسة عشر عاماً في مجال الاندماج، التقيت خلالها إضافة لزملاء العمل السويديين من معلمين ومدراء مدارس، وموظفين في الشؤون البلدية، ومكتب العمل وسياسيين، بأهالي وأولياء أمور ينحدرون من أكثر من عشرين بلد، تعلمت خلال تلك الفترة الكثير من زملاء العمل والأهالي، وكوّنت تجربة أستطيع القول بأنها غنية، وقد ساعدتني على تنظيم فعاليات مختلفة لتسريع عملية الاندماج".  

ويكمل "بدأت أشعر مع اقتراب موعد تقاعدي أن من واجبي نقل الخبرة والتجارب التي اكتسبتها خلال تلك الفترة، لتكون مرشداً لكل من له عمل أو احتكاك مباشر مع القادمين للمجتمع الجديد من ثقافات مختلفة، على أمل أن تساعدهم في تسريع عملية الاندماج.   

  برامج الاندماج فاشلة؟!

هكذا يقول "طلال الإمام" بعد تجربته الكبيرة في هذا المجال. تبدو العبارة صادمة، لكن لديه ما يبرر ذلك بقوله: "برامج الاندماج حتى الان فاشلة لحد كبير، ومؤشرات ذلك عديدة، أهمها تزايد عدد التجمعات السكنية والمناطق التي تكون نسبة الأجانب فيها أكثر من 90%، طبعاً هذا يعني أن المدارس المتواجدة في تلك المناطق أيضاً منعزلة عن المجتمع الأكبر، المجتمع السويدي. كما يعني أن معرفة سكان تلك التجمعات شبه معدومة بالمجتمع السويدي، وتزايد نسبة البطالة بين الأجانب، وارتفاع نسبة النزعات العنصرية في المجتمع السويدي، لحد وصول حزب معاد للأجانب للبرلمان، مستفيداً من فشل سياسة الاندماج من جهة وسلوك بعض الأجانب من جهة أخرى، إضافة للهوّة الطبقية التي تتعاظم بين مختلف المناطق في المدينة الواحدة، أو على مستوى السويد. بالطبع؛ هذا لا يعني أن المؤسسات السويدية لا تبذل أي جهد من أجل الاندماج، فهناك مشاريع وبرامج على مستوى البلديات والمدن للتعجيل من عملية الاندماج، لكنها لا تعطي النتائج المرجوة، بل ولا تتناسب مع حجم مخصصاتها.

الحلول

تبدو الصورة قاتمة إلى حدٍ كبير، والحلول المطلوبة لهذه المعضلة تبدو غائمة، لذا نبحث مع "طلال الإمام" من خلال تجربته الكبيرة في هذا المجال، ومن خلال صفحات كتابه المهم يقول الإمام: "الاندماج هو عملية بين طرفين أجانب-وسويديون، ونجاحها يتوقف على الطرفين. لكن المسؤولية الأكبر يتحملها الجانب السويدي، كونه صاحب المؤسسات والقرارات، وبيده ثروات البلد وتوزيعها، ومسؤولية طرف المعادلة الآخر أيضاً مطلوبة، لكن للأسف؛ نجد بعض القادمين الجدد يعرفون فقط حقوقهم دون أن يقوموا بواجباتهم، وهناك من يرفض أساساً فكرة الاندماج من منطلق ديني أو اثني، ويعتبر السويد مجرد جواز سفر وحساب في البنك، إلى جانب استغلال القوانين الإنسانية للسويد بشكل سيّء

كما أنه يُلاحظ أن برامج الاندماج موسمية/مؤقتة، يزداد الحديث عنها والحماس لها عشية الانتخابات الدورية للبلديات والبرلمان ثم تخفت، وتلعب بعض وسائل الإعلام دوراً سلبياً، عبر التركيز على السلوك السلبي لبعض المهاجرين (الجريمة، تجارة المخدرات، الالتفاف على القوانين السويدية، التهرب من دفع الضريبة). إن إبراز هذا الجانب السلبي فقط يساهم في إذكاء روح معاداة الأجانب، والنزعات العنصرية المتصاعدة في المجتمع السويدي، والمؤسف أن تلك الوسائل لا تغطي بشكلٍ كافٍ وملموس النجاحات التي يحققها الأجانب في سوق العمل، فهناك أطباء، ومهندسون، ومعلمون، ورجال ثقافة، ورجال أعمال ناجحون، وحققوا مراكز علمية ووظيفية مرموقة، لكن الإعلام وللأسف، لا يتحدث عنهم إلا ما ندر!

 أعتقد أن المجتمع السويدي اليوم مجتمع متعدد الثقافات، ويمثل الأجانب فيه نسبة تقترب من الثلث، وغالبيتهم من الشباب، وأي تقاعس في برامج الاندماج من قبل الجميع ستكون نتائجه كارثية على مستقبل السويد، لأن نجاح عملية الاندماج ترفد المجتمع السويدي بخبرات وطاقات شابة مؤهلة، ويمكن إذا ما أحسن استخدامها أن تساهم في مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً للسويد".

كتاب مهم

قد يبدو هذا الكتاب ترفاً في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه يصدر كوثيقة مهمة تلخص تجربة طويلة في مجال الاندماج في السويد، من رجلٍ عاش التجربة وعمل بها بفعالية، ويشكّل كتاب "رحلة لن تنتهي" دليلاً للمهاجرين وللسويديين أيضاً عن سبل نجاح الاندماج وأهميته لمستقبل السويد.

كتاب مهم نتمنى أن يكون محرضّاً للآخرين لتدوين تجاربهم وخبراتهم في كتبٍ تُغني التجربة وتنقدها وتقيمّها.