بين عزلة منصور وعزلة ماركيز

يقال دائماً إن الكتاب يُقرأ من عنوانه، وعلى هذا الأساس جاء كتاب "عامان من العزلة…مآلات الجائحة" للرئيس التنفيذي والمدير العام لمركز الحسين للسرطان الدكتور عاصم منصور، متماهياً مع عنوانه وعنوان الحياة في العامين الأخيرين، فهو من جهة يرتبط بالعمر الزمني لجائحة كورونا التي ضربت العالم والقطاعات الصحية، وعزلت الناس كُرهاً، فصار التباعد الاجتماعي عنوان العالم الأبرز، كما أنه يذكرنا بالرواية العالمية "مئة عام من العزلة" للروائي الكولومبي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز، لا سيما مقولته الشهيرة "هنا في هذه المدينة لم يقتلونا بالرصاص، قتلونا بالقرارات"، فالتخبط في القرارات أثناء التعامل مع الوباء كان أكثر فتكاً من الوباء ذاته.

تغيرات كثيرة طرأت على العالم بعد جائحة كورونا، كان أهمها عودة القطاعات الصحية وأهمية تطويرها إلى واجهة الأولويات، فربحت الدول التي استعدت وأعدت، وخسرت الدول التي كابرت وأهملت، ومن هنا جاء كتاب الدكتور عاصم منصور شارحاً ومُشخصاً للمراحل التي مر فيها العالم في مواجهة الجائحة، وبعض التجارب الناجحة وغير الناجحة.

ولم ينس منصور في كتابه الذي أشهره رسمياً في منتدى شومان الثقافي، الوقوف عند الآثار التي رتبتها الجائحة في المجالات الصحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، كما فنّد الشبهات والمؤامرات التي دارت حول المطاعيم والوباء، فلا "بيل غيتس" يريد التنصت على الناس من خلال زرع "رقائق إلكترونية" تحت جلودهم بواسطة المطاعيم، وليس هناك نية لإبادة جماعية ضحاياها نحن أو غيرنا.

 منصور أفرد جانباً في كتابه للتحديات الأخلاقية التي رتبتها الجائحة، وخصص فصلاً عن الدروس التي يمكن أن نستخلصها من الأخطاء التي ارتكبت، وفي الكتاب حديث وافٍ عن ماضي الوباء، وشرح مفصل لحاضره، ولم ينس المؤلف مستقبله فحاول استقراءه.

وعلى شكل تساؤلات بريئة ظاهراً، لكنها في باطنها تفيد الإقرار، بيّن الدكتور عاصم منصور في كلمته خلال حفل إشهار الكتاب، أن هذه الجائحة كنست كثيراً من المسلّمات والقيم والمبادىء التي تربينا عليها، أو ما اعتقدنا بأنها مسلمات اتسمت بها أدبياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية خلال العقود الماضية، فما الذي بقي لنتداوله من مصطلحات رنانة مثل التضامن العالمي، والتجارة الحرة، والحدود المفتوحة، والعدالة الاجتماعية، والرعاية الصحية الشاملة، والتي لم تلبث أن تداعت أمام أول اختبار حقيقي، فإذا بالدول تنكمش على نفسها وتغلق حدودها في وجه الآخر لتعمق العزلة التي خلقتها كورونا، كما كشفت هذه الجائحة هشاشة عالمنا وزيف إنجازاتنا التي طالما تغنينا بها، عندما لم تستطع نظمنا الصّحيّة المتطورة، والتي أنفقنا عليها تريليونات الدولارات، لمواجهة هذا المخلوق المتناهي في الصغر، ورأتنا نهرع إلى التاريخ لنستعين بأدواته القديمة التي استخدمها الإنسان في مواجهة الأوبئة والجوائح السابقة، لنوظفها في مواجهة هذا المخلوق؛ مثل الالتزام بالتباعد الاجتماعي؛ وتغطية الفم والأنف؛ والحفاظ على النظافة الشخصية، كما كشفت بؤس الأنظمة السياسية التي تحكم العالم، وما الفشل الذريع الذي اعترى الدولة الأعظم "الولايات المتحدة" والتخبط الذي شهدته إلا مثالاً صارخاً على أن العالم يواجه أزمة قيادة حقيقية.

ربما حين تعرف أن عاصم منصور، الطبيب المعروف ومدير واحد من أهم المراكز الصحية في الأردن ألف كتاباً، سيتبادر إلى ذهنك أن هذا الكتاب علمي، ويحتاج إلى شروحات لفهمه، لكنك عندما تغوص في صفحاته ستشعر بأن صاحب الكتاب أديب مرموق، وليس مجرد طبيب يروي سيرة مرض، فموضوعات الكتاب كُتبت بلغة سلسة وأسلوب رشيق، يعكسان جمال روح الكاتب الذي أظهر براعة في ابتكار عبارات مكثفة في مقدمة كل فصل من فصول الكتاب، وفيها من البلاغة والحكمة الشيء الكثير، وذلك باجماع المشاركين في حفل الإشهار، الدكتور محمد أبو رمان، والدكتور عزمي محافظة، والدكتور خليل الزيود .

بقي الإشارة إلى أن كتاب "عامان من العزلة...مآلات الجائحة" يقدم مقاربة مهمة تتجاوز الرصد والتحليل الطبي والعلمي لتطور جائحة كورونا عالمياً، مع تسليط الضوء على التجربة الأردنية ومواطن الخلل والصواب، وقد صدر عن معهد السياسة والمجتمع، وتمت طباعته من خلال دار الأهلية للنشر، ويحوي سبعة فصول و٢٨٥ صفحة.