"مسح حياتي".. صرخة جديدة ضد العنف!

"فكرت راح يغير حياتي بس هسه مسح كل حياتي"، كانت تلك الكلمات آخر ما كتبته الأردنية هيفاء أبو هاني (28 ربيعاً)، عبر صفحتها على فيسبوك، قبل أن تفارق الحياة، على يد زوجها، بعد أن سكب مادة الكاز عليها ويقتلها حرقاً.

هيفاء أم لثلاثة أطفال، توفيت بعد سبعة أيام من الألم والعذاب الشديدين في مستشفى البشير، في العاصمة عمان، إثر الحروق التي تسبب بها زوجها. لا تختلف قصة هيفاء كثيراً عن حال أردنيات وعربيات يعشن منذ سنوات بعيدة في أقفاص التعنيف والتعذيب على يد أزواج وأشقاء وآباء وأبناء، وجدوا في عالم الجريمة مسرحاً لهم دون رادعٍ أو عقاب، ليخلفوا وراءهم خسائر مجتمعية وأسرية وعائلية لا تحمد عقباها.

الثابت أن أكثر من نصف العائلات التي ينتشر فيها العنف تكون المرأة هي الضحية غالباً، ومن أمثلة ذلك دولة لبنان، فرغم أن نسبة العنف الأسري فيها لا تتجاوز 6 % بحسب استطلاع "الباروميتر العربي"، إلا أن 82 % من الأسر التي تشهد عنفاً تكون فيها النساء هن الضحايا. أما في اليمن التي تعد الأعلى عربياً في انتشار العنف الأسري، فتشكل نسبة النساء اللاتي يعانين من العنف 30%، فيما ينتشر العنف ضد المرأة في المغرب ومصر بنسبة تتجاوز 70% من العائلات في كل منهما، و66% في الجزائر، وكذلك الأمر في السودان، بينما تقل هذه النسب في تونس والأردن وليبيا.

ولا يكاد الشارع ينسى تفاصيل "الجرائم المروعة" التي يرتكبها أقرباء من الدرجة الأولى بحق النساء المعنفات، حتى ينشغل الرأي العام بقصة جديدة، تعكس انفجاراً لعقد اجتماعية ونفسية وفكرية يتسلح بها الجناة.

فمنذ بداية عام 2021 شهد الأردن وقوع 12 جريمة قتل أسرية، ذهب ضحيتها 13 امرأة، فيما نجت من الموت ابنة وزوجة طعنتا في حادثتين منفصلتين على يد الأب والزوج على التوالي، مقارنة بوقوع 20 جريمة قتل أسرية بحق النساء والفتيات العام الماضي، وفقاً لمعهد تضامن النساء الأردني.

دع عنك أيضاً؛ أن خلال فترة الحظر الشامل التي رافقت انتشار فيروس كوفيد-19 في الأردن، فقد تصدّر العنف الجسدي حالات الإساءة الواقعة على النساء والأطفال بواقع 883 حالة، تلاها العنف النفسي بـ 256، أما الإساءة الجنسية فبلغ عدد حالاتها 117 منها 44 حالة واقعة على بالغات و73 واقعة على أطفال، بحسب تقرير صادر عن إدارة حماية الأسرة.

ولم يكن الأمر مختلف عربياً، فتؤكد أرقام الأمم المتحدة، على أن نسبة 37% من النساء العربيات، قد تعرضن لأحد أنواع العنف الجسدي أو الجنسي، في حين أن نسبة 35.4% من المتزوجات في المنطقة، تعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي من الزوج، في مرحلة ما من حياتهن.

ولك أن تتخيل؛ أن هناك 50 ألف امرأة وفتاة حول العالم، تُقتل كل عام على أيدي شركائهن العاطفيين أو أفراد آخرين من الأسرة، أي أن 137 روحاً تزهق في كل يوم، ولا يشمل هذا الرقم سوى حالات النساء اللواتي قتلن على يد أحد أفراد الأسرة، أو على يد الشريك، ولا يشمل القتل الذي يستهدف النساء والفتيات في سياق النزاعات المسلحة.

أمام كل تلك الأرقام المقلقة والخطيرة، التي تشكل أخطر وآخر حلقة من سلسلة حلقات العنف المتواصلة ضد النساء، تستمر وتيرة جرائم القتل الأسرية باستمرار التشريعات التي تتضمن أعذاراً مخففة لمرتكبي مثل تلك الجرائم.  

بالمحصلة؛ العمل على إيجاد منظومة مجتمعية لا تتغافل مع العنف الموجه ضد المرأة وتجرمه "مسؤولية جماعية"، وعليه؛ فإن نبذ العنف ضد المرأة والرجل يجب أن يكون على حد سواء، مع التأكيد على أن النساء يتعرضن له أضعاف ما يتعرض له الذكور، ويرتب آثاراً جسدية ونفسية واجتماعية تلازمهن مدى حياتهن.

"مسح حياتي"، صرخة جديدة لوقف الدماء والعنف، تعلو كل يوم مع أذية أي امرأة...ولا تقبل بعد اليوم التسامح مع العنف المسلط على النساء، وتؤكد على ضرورة التسلح بالثقافة الرافضة للعنف، ما يدعو الحكومات والمجتمع مدني والإعلام، للتأسيس لمرحلة جديدة في التنسيق والتشبيك والتعاون فيما بيننا، دعماً للضحايا والحفاظ على سلامتهن.