الأخطاء وقوانين المساءلة الصحية والطبية في العالم العربي...الحل بالإرادة السياسية

"الأخطاء الطبية موجودة في كل دول العالم، وكل من يعمل في المجال الصحي يعلم ذلك"، ربما هذه العبارة هي القاسم المشترك بين أغلب المسؤولين عن القطاع الصحي في العالم العربي، قالوها غالباً بعد حدوث كارثة صحية، أو وفاة مواطنين في بلدانهم، نتيجة خطأ في تشخيص المريض أو تقصير في معالجته، وسيظل عالقاً في البال انقطاع الأكسجين عن المرضى في العالم العربي من مصر وصولاً للعراق، ومن الأردن حتى تونس، مما أدى لوفاتهم!

في الأردن مثلاً؛ لم تنته قصة وفاة الطفلة لين أبو حطب، إثر خطأ طبي، حتى تم الكشف عن طفلة أخرى في العمر ذاته كانت قد توفيت قبل أيام وبالطريقة نفسها. حيث توفيت الطفلة لين في مستشفى البشير بالعاصمة عمّان، بينما توفيت الطفلة غنى، بمستشفى الأميرة رحمة بمحافظة اربد شمالي الأردن. حتى اليوم ما زال الأردنيون يتذكرون بأسى فاجعة مستشفى السلط التي حدثت منتصف العام الفائت، والتي أسفرت عن وفاة سبعة مصابين بفايروس كورونا نتيجة انقطاع الأكسجين عنهم، الموقف نفسه تكرر في مستشفيات مصر والعراق وتونس، وما خفي أعظم.

ومن باب الإنصاف، فإن العبارة حقيقية جداً، فالأخطاء الطبية جزء من الطب، وتحدث في أكثر دول العالم تطوراً في هذا المجال، حتى أن منظمة الصحة العالمية تقر بوفاة خمسة أشخاص في العالم كل دقيقة بسبب أخطاء طبية في المعالجة، لكن المقارنة بين نسبة الأخطاء وظروفها ليست في صالحنا أبداً، فالخطأ هناك ليس نابعاً من الضغط الكبير على القطاع الصحي الحكومي مقابل ضعف ميزانيته، أو من غياب أطباء الاختصاص والاستشاريين عن أقسام الطوارئ في المستشفيات، ولا أن أطباء الإقامة يفحصون عشرات المرضى يومياً، رغم قلة خبرتهم في التعامل مع الحالات الصحية المعقدة، لا سيما عند كبار السن. ربما أن طبيب القلب الأردني المعروف محمد حجيري لخص المشهد عندما استذكر فترة عمله كطبيب مقين في أقسام الطوارئ في المستشفيات الأردنية، قبل أن يصبح واحداً من أهم أطباء القلب في الولايات المتحدة الأمريكية، إذا كتب على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك قائلاً "اشتغلت شهرين وبعدها اجيت على أميركا أتخصص. اكتشفت إنه هون كل طوارئ بكون في أطباء أخصائيين درسوا أربع سنين تخصص طوارئ، والمقيم ممنوع يشوف أكتر من 7 مرضى، عشان يأثر على التعليم، وممنوع أي مريض يروح البيت بدون ما يشوفه الاختصاصي، وموعد مع دكتور طب الاسرة بعدها بأسبوع للمراجعة".

على الرغم من وجود قوانين للمساءلة الطبية والصحية في الدول العربية، إلا أنها ما زالت غير مفعلة، وتحتاج إلى إعادة النظر بالكثير من بنودها، لتحفظ حق المرضى والعاملين بالقطاع الصحي معاً، وأهم من ذلك كله؛ فإن قطاعاتنا الصحية لا ينقصها الكفاءات أو الإمكانيات، بقدر ما ينقصها من الإرادة السياسية الحقيقية، للنهوض بالطب والصحة، فالطبيب العربي يحفر اسمه في سجلات المبدعين بالدول المتقدمة صحياً، لكنه هنا قد يتوقف عن مزاولة المهنة نتيجة خطأ طبي، ربما يكون فيه الضحية شأنه شأن المريض!