ناصر الجعفري: أحزن حين أرسم الشهداء وأُودع ملامحهم بالخطوط السوداء

 حين تشاهد رسوماته، تشعر أنها تتكلم، وتتحدث بلساننا رغم أن أغلبها صامتة، ربما لأنه يرسمها بريشة قلبه، أو لأن الواحدة منها تعبر عن رغبتنا العارمة في ألا نقول شيئاً! وهكذا يزيدنا رسام الكاريكاتير الأردني ناصر الجعفري حيرة على حيرة، مُستلهماً قول نزار قباني: "هل شعرتِ ببلاغتي عندما أصمت؟ هل شعرتِ بروعة الأشياء التي أقولها عندما لا أقول شيئاً؟!"

ولد الفنان ناصر الجعفري في عمان عام 1970، وحصل على شهادة "الدبلوم" في الرسم الكرتوني من جامعة بنسلفانيا الأميركية بعد إتمام دراسة إدارة الأعمال، وهو حالياً رئيس رابطة رسامي الكاريكاتير الأردنيين.

حصل الجعفري على جوائز محلية وعربية ودولية عدة في مجال رسم "الكاريكاتير"، لكن أفضلها وأنبلها على الإطلاق تلك المكانة التي نالها في قلوب الناس حين رفض تسلّم جائزة عالمية من الأمم المتحدة عام 2012، بعد أن تبين له أنها تحت إشراف ضابط سابق في جيش الاحتلال الإسرائيلي، فاشترى المبدأ وباع التكريم، وإن ذلك لربحٌ لو تعلمون عظيم!

"هنا صوتك" أجرى حواراً مع الجعفري، وتالياً ما جاء فيه:

أعرف أن السؤال تقليدي للغاية، لكنني على يقين بأن إجابتك ستجعله مُبتكراً، ولذلك سأطرحه؛ من أنت؟

"مثلكم؛ بل أقل قليلاً" كما قال الراحل الكبير محمود درويش: اجتهد يا صديقي في البحث عن إجابة، أنا المحظوظ ببعض من موهبة توصلني لقارئ يرد لي زهرة مقابل لوحة، وأنا الشقي أحيانا بمتابعة عذابات متواصلة لإنسان وأمة تفتقد الفرح، والحزين حين أرسم الشهداء وأودع ملامحهم بالخطوط السوداء، أنا الباحث عن أمل، المتيقن من الفجر، المنكسر من الواقع.

 

غالباً هناك من أخذ بيدنا، ودلنا على أشياء في دواخلنا لم نكن نعرف عنها، وربما كان في الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 ما دفع ناصر الجعفري ليكون ما هو عليه الآن. هل فعلاً تصنعنا الأزمات؟!

طبعاً، نحن نتاج للحظات حاسمة ومختلفة في حياتنا. المفاصل التي تشكل الوعي يجب أن تكون مختلفة واستثنائية، ليس بالضرورة الأحداث الكبيرة كاحتلال ثاني عاصمة عربية، أحياناً يمكن أن يشكل ألم إنساني يومي شكل غائر في روحك لا يفارقك، وتجده يكبر معك، الأزمات أكثر عمقاً خصوصاً لفن الكاريكاتير الحساس تجاه المعاناة، فهذا الفن يلتقط مشهداً مسرحياً كبيراً بكل عناصره ويكثفه بخطوط بسيطة.

 

لك خط مغاير تماماً في رسم الكاريكاتير، فرسوماتك تؤلم الناس أكثر مما تُضحكهم، ويغلب عليها طابع الجدية، كما أنك لم تصنع شخصيات خاصة بك كما فعل ناجي العلي مع "حنظلة"، وكما هي عادة رسامي الكاريكاتير. من أين تنطلق في ذلك وما هي فلسفتك في الرسم؟

الشهيد ناجي العلي ترك إرثاً حياً من اللوحات يصلح اليوم كما كان يوم رُسم، دقق به جيداً، ستجد أنه لا يدفعك للضحك؛ بل نادراً ما تبتسم حتى ابتسامة سوداء، أحياناً تشعر أن لوحته تصفعك.

انا أرسم ما أعتقد أني أجيده بدون تكلف، أحب كاريكاتير الابتسامة والمفارقة المضحكة، أو"القفشة" بحسب تسمية اخوتنا المصريين البارعين به، لكني أجد نفسي مع اللوحة الصامتة التي تحكي بلغة بصرية إنسانية مشهداً مؤثراً أو على الأقل يُفهم بدون حواجز اللغة. إن لم يضف التعليق جمالية للرسم؛ فللأسف لا داعي له، بالعكس؛ قد يضعف الفكرة، قد تعلمت هذا مع الممارسة، حتى أن الخطوط التي أرسم بها تنعكس في الرسم وفقاً لتأثير الموقف الذي أرسمه.

من رسومات الفنان ناصر الجعفري

 

مثل أغلب الدول العربية، يعاني العاملون في وسائل الصحافة والإعلام الأردنية من رقابة صارمة تضيع معها الحرية، وبالتالي يضيع الإبداع. كيف تفسر هذا التخوف من القلم وما يَسطُرُون؟ وهل يمكن إحراز أي تقدم في ظل غياب الحريات الإعلامية؟ 

دعني أعيد السؤال لك بصيغة أخرى: أين هي صحفنا ووسائل إعلامنا؟ ولماذا تخسر الصحف؟

ليس صحيحاً بأن السبب يعود لتراجع سوق المطبوعات فقط، بل ماذا تقدم هذه الوسائل الإعلامية؟

معروف لدى الجميع أن المقال الجيد يبيع صحيفة، وأن التحقيق الصحفي الحقيقي يبيع صحيفة، وأن الكاريكاتير الجيد يبيع صحيفة. في المقابل يغيب عن ذهنهم أننا نخسر مع الرقابة والتضييق على حرية التعبير، وهي قوة ومناعة مجتمعنا الأردني بل وقوته الناعمة في مواجهة أعداء الخارج. أين صوتنا للخارج؟!

الخوف هو عقلية تقاوم التغيير وسنن الحياة، الكاريكاتير فن حريات، إن ضُيّق عليه فقد خاصيته ولم يعد له معنى. فعلياً نحن نمر بأصعب حالات التضييق من قوانين ورقابة مجتمعية. فن الكاريكاتير محلياً يحتضر، لا مساحات للنشر، ولا دعم للرسامين، وللحقيقة هذا يتكرر في كل الدول العربية، الصحف المتبقية ناطقة باسم توجه الدولة ولا يُسمح للكاريكاتير بغير ذلك، حتى أن بعضاً من الصحف العربية ألغت مساحات الكاريكاتير، وصحف أخرى لا تقدم مكافآت للرسامين. بدون حرية لا يوجد إبداع.

 

رفضتَ تسلم جائزة عالمية من الأمم المتحدة عام 2012، بعد أن تبين لك أنها تحت إشراف ضابط سابق في جيش الاحتلال الإسرائيلي. تلك قصة ينبغي الحديث عنها مجدداً بعد أن انحرفت بوصلة الكثيرين، أو لعل السؤال الأنسب: ما هي أهمية المبادئ في حياة صاحبها؟

في الحياة الخاصة لأي إنسان، فإن إنسانيته تقاس بمقدار ما يحمله من قيم، فما بالك إن كان يقدم عملاً عاماً لجمهور؟ فهو إما أن يُحفز الجيل القادم لمزيد من بناء الشخصية والاعتزاز بالقيم، أو يخذل نفسه فيخذلهم، وقد قيل قديماً "لا تنه عن خلق وتأتي بمثله". ليس المطلوب منك التنفع والتكسب من العمل العام، بل الصدق، ويبقى ما ينفع الناس ماكثاً في الأرض.

 

يعاني المشهد الثقافي في الأردن من معضلات كبيرة، بدءاً من عدم حصول الكتّاب والمثقفين على الدعم الذي يستحقونه، مروراً بانخفاض نسبة القراء، فضلاً عن انعدام مفهوم الأولويات، سواء من حيث المؤلفات أو من حيث اهتمام الناس، ولعلك تعرف أن كتب الطبخ وقراءة الطالع ما زالت في المقدمة، والأمر ينسحب على باقي الدول العربية. كيف السبيل إلى إنعاش الثقافة العربية وإعادة ترتيب الأولويات والاهتمامات؟

الحريات وحرية التعبير هي الإجابة. علينا أن نقبل الاختلاف ونحترمه، يا أخي، إن لم نكن مدفوعين بشعارات كبرى لتكن المصلحة شعارنا كحد أدنى، فأنت حين تخنق الحريات تتردى الأغنية والقصيدة والمسرح والثقافة بشكل عام. تعتبر الدولة رافعة لكل هذا، وهي صاحبة القرار والتوجيه فيه. علينا أولاً أن نخرج من حالة الإنكار المرضية، مُنتجنا ليس بخير! وإن قلنا إنه معقول، فيجب أن يكون جيداً، وجيداً جداً، بل ممتاز، لا يوجد ما يمنع ذلك، هناك الكثير من المواهب والطاقات الشبابية التي يجب أن تُعطى الفرصة. المواهب في بلادنا تنتج كالفطر بدون غرس وريّ، يبقي أن نعتني ونوسع أُفقنا ونرى العالم من حولنا دون خوف وانغلاق.

 

بعد عقود من عملك في مجال رسم الكاريكاتير، ما الذي حققته، وما الذي بقي حلماً يداعب مُخيلتك إلى الآن؟

الكثير بالتأكيد؛ فمع كل كلمة امتنان على رسمة، أحمد الله أني أمتلك هذه الموهبة. قلت الكثير مما رغبت في قوله في أوقات صعبة ولحظات حرجة، وربما وصلت لمكان لامست فيه رسوماتي وجدان البعض، وهذا يفرحني كأي رسام، الحلم بالنسبة لي قد تستغربه، كثيراً ما أتمنى أن أرسم هموماً عادية بسيطة، كما يرسم رسام كاريكاتير اسكندنافي مثلاً، بمعنى أن تزول أحداثنا المريرة ومشاكلنا المتداخلة ونتفرغ للحياة، أن نرسم للفن فقط! بمعنى التقنيات والجماليات لأننا مضطرون هنا أن نرسم ضمن متاهة السياسة.

 

منذ النهضة العربية التي بدأت في مستهل القرن التاسع عشر، لم يتغير السؤال عن: لماذا تقدّم الغرب وتأخرنا؟

بصراحة؛ السؤال ربما يكون كبيراً على رسام كاريكاتير، نحتاج لعلماء حقيقيين في الاجتماع والنفس والتاريخ وكافة العلوم ليشخصوا حالتنا، لكن باعتقادي أننا حالة فريدة تحولنا من أمة كانت تشع معرفة وتتوهج علوماً، إلى ما نحن عليه اليوم، نستطيع أن نقف عند المربع الأول لإدراك إلى أين وصلنا؛ إن تخلصنا من مشكلة الإنكار وعقلية المؤامرة المطلقة، فحكوماتنا لا زالت تنكر أننا لسنا بخير مثلاً!

 

أنت اليوم رئيساً لرابطة رسامي الكاريكاتير الأردنيين، ما هي التحديات التي تواجهها الرابطة وما هي احتياجاتها؟

كثيرة؛ لا فرص تحفز الشباب ولا اهتمام كافٍ.

نسعى منذ سنوات لإيجاد مقر للرابطة، ولا زلنا نراجع المؤسسات المعنية بالأمر لاستلام مقر صغير سنقوم بدفع أجرته، حلمنا أن ننشئ متحفاً لفن الكاريكاتير في الأردن، يعرّف الجمهور على الرواد، وعلى رسامينا الحاصلين على أهم الجوائز العربية، نريد أن نوثق ونؤرشف حياتنا عبر فن الكاريكاتير، ونقيم المعارض بمشاركات عربية وعالمية، لكننا لا زلنا نراوح مكاننا بدون الدعم المطلوب.

 

ثمة مفارقة غريبة بأن ناصر الجعفري أحد أهم رسامي الكاريكاتير على الساحة الأردنية حالياً، لكنه لا يرسم في صحيفة محلية، هل تراجع اهتمام الصحف بالكاريكاتير أم تراجع تقدير الأسماء؟

السؤال عني وعن زملائي موجه لإدارات الصحف التي تستكتب العشرات ممن لا يقرأ منتجهم سواهم، لكنها تضيق عن الكاريكاتير، فهذه ليست أزمتي وحدي وإنما أزمة معظم رسامي الكاريكاتير الذين يستحقون التواجد في الصحف، ليعود القارئ لقراءة الصحيفة من الصفحة الأخيرة لأنه يبحث عن رسوماتهم، لكن الصحف باتت اليوم تتهرب من المواجهة التي يفرضها الكاريكاتير عليها بسبب موقفه الحاد، ربما من باب "سكّن تسلم"، والأمر ينسحب على الرواد وأصحاب المواهب الأخرى، فكلنا تحت سياط التقصير.

 

أخيراً؛ كيف نمنع اغتيال ناجي العلي مجدداً، أقصد كيف نمنع اغتيال الحلم الفلسطيني والأمل بغد عربي أفضل؟

كلنا يعرف أن الواقع صعب ومركب، فأنت تغتال كل يوم من تمنعه من فرصة الصراخ والتعبير عن وجعه.

إلا أننا نبقى محكومين بالأمل، فمن يبصر بعين القلب لابد أن يرى نخيل العراق وياسمين الشام وجبال اليمن، وكل حارة في الوطن الكبير تبتسم يوماً، وتعود لمكانها وحجمها الطبيعي بين الأمم، فإنساننا يستحق، وتاريخنا يؤهلنا، وكلما خبا لنا نجم أضاءت لنا نجوم، انظر إلى هبّة الناس من أجل "حي الشيخ جراح" وصمود أهله الأسطوري وعمقهم في كل بيت عربي، هذا الوجدان الجمعي لا ينكسر ولا شك بأنه سينهض، فأمة من بينها من يحفر لحريته بملعقة لا تُسجن للأبد.