ملكون ملكون يكتب: الإعلام العربي في السويد.. رسالة مميزة

عبر عقود مرت على تواجد المهاجرين العرب في بلاد المهجر كانت الحاجة اليومية لوسائل إعلام تقدم خدماتها للمهاجرين وتفتح لهم نوافذ البلد الجديد الذي انتقلوا للعيش فيه، ورغم البدايات الخجولة في هذا المجال إلا أن تطور التكنولوجيا و"الإعلام الجديد" ساهم إلى حد كبير في انتشار المواقع الإلكترونية المهتمة بشؤون المهاجرين، وظهرت حالة من التنافس لإبراز المواضيع التي تهم القارئ، مثل المواضيع ذات الشأن الخاص بالانتماء والهوية، لأن هاجس الخصوصية الثقافية وتحديد الشخصية الثقافية هو نفسه هاجس الأصالة والمعاصرة معاً، مما جعل من المواقع الإلكترونية العربية عليها الثقل الكبير لتحمل المسؤولية بالجانب الثقافي لتأصيل هوية الانتماء الثقافي للبلد الأم.

 وبالتأكيد فإن التأسيس لإعلام يقترب من الموضوعية والحرفية ليس بالأمر اليسير، وهو يرتبط بالثقافة والممارسات السائدة التي في مجملها تسوغ العنف بحق من تراه "خصماً"، وبالتالي لا بد من تهيئة العوامل الموضوعية للحديث عن تنمية حضارية فاعلة، فوسائل الإعلام تتمتع بقدرة عالية على شحن الطاقات وتفعيلها، لتتحول الوسيلة الإعلامية إلى أداة فاعلة لبناء الإنسان ومن ثم خدمة مشاريع التنمية البشرية.

 

تجارب مميزة

الفضاء الإعلامي في السويد يعج بالمواقع الإلكترونية العربية التي يتصدرها موقع "الكومبيس" الذي تطور من مجرد موقع الكتروني خدمي إلى شبكة إعلامية تتضمن بثاً تلفزيونياً وإذاعياً وجريدة مكتوبة تصدر شهرياً، وبرزت عدة مواقع أخرى مثل "أكتر" و"المركز السويدي للمعلومات" والسويد بالعربي"، إضافة لقناتين تلفزيونيتين تبثان من مدينة "سودرتاليا" وهي إحدى ضواحي ستوكهولم وتهتم هاتين القناتين بشؤون المهاجرين وتقدم برامجها بأكثر من لغة من اللغات التي يتحدث بها المهاجرون .

 

امتحان الجائحة

خلال جائحة كوفيد-19، برزت أهمية دور وسائل الإعلام في إيصال المعلومات الموثقة والصحيحة للجمهور. وحرصت الدول على انسيابية المعلومات خصوصاً الوقائية الموجهة للمقيمين على أراضيها، بهدف تعزيز قدرة المجتمع على مواجهة انتشار الوباء.

لكن عائق الاختلاف بين اللغة الرسمية في الدولة ولغة الأقليات المهاجرة، لاسيما التي وصلت حديثاً تحول إلى إشكالية كلّفت أرواحاً في بعض الحالات، فالمعلومات التي كان يجب أن تصل هذه الفئات كي تتخذ تدابير وقائية مبكرة وصلت متأخرة بعد أن طرق الموت أبواب الأحياء التي تحتضن المهاجرين.

وفي الوقت الذي بدأ فيه الفيروس بالتغلغل في المجتمعات المهاجرة التي تعاني من الاكتظاظ والعزلة الاجتماعية، لم يكن النقاش في وسائل الإعلام الأوروبية حول المهاجرين قد أخذ منحى الحرص على حياتهم أو إيصال المعلومة لهم، إنما انشغلت وسائل الإعلام بمتابعة تصريحات اليمين المتطرف التي استغلت أزمة الجائحة لتوجه النقد للمهاجرين واتهامهم بأنهم من جلبوا المرض، وأن إغلاق الحدود بات ضرورة.

 السويد التي يشكل المهاجرون قرابة 20% من عدد سكانها أدركت ولو متأخرة   ضرورة التواصل مع المهاجرين من خلال لغتهم الأم بعد أن صدمت أرقام الوفيات بسبب الجائحة بين المهاجرين المسؤولين في العاصمة السويدية ستوكهولم. سرعان ما تحرك كل من تلفزيون السويد SVT وراديو السويد الممولان من المال العام، فبادر الأول إلى بث تقارير يومية مترجمة للغة العربية، وهي ثاني أكثر اللغات انتشاراً في السويد بعد السويدية.

هنا كان الدور الإيجابي والفعّال لوسائل الإعلام العربية في السويد التي منحت أولويتها للمتابعة الحثيثة لكل الأخبار والتعليمات وطرق الوقاية من فيروس كوفيد-19، فلعبت دوراً مهماً في التوعية المجتمعية وحماية المجتمع من الأخبار المُضللّة التي كانت تعج بها وسائل التواصل الاجتماعي.

 

  تفاؤل وأولويات    

  تقفز إلى أذهاننا جملة من التساؤلات عن دور الإعلامي العربي في المهجر، على اختلاف وتنوع المنابر، المكتوبة والمسموعة والمرئية، وتبرز لنا جملة استفسارات في واقع البحث عن الذات، البحث عن الفعل بين تموّجات الواقع المتحرك، الذي يدفعنا باستعجال إلى طرح أسئلة قلقة، هل يمكن أن يساهم الإعلامي العربي المهجري في تنمية الوعي لدى الجالية العربية وتوضيح الصورة للآخر؟ ما هي تحديداً أولويات مسؤوليته والتحديات والعوائق والمحاذير؟  

لمعرفة أولويات الإعلامي لابدّ من معرفة مقدار تعلقه بهويته، وتمسّكه بمشاريعه الثقافية والفكرية، أي ان يكون عملياً في مشروع ثقافي يؤسس لنسق من العلاقات الهادفة الواعية يحافظ عليها، ويصقلها، ويعزّزها، ويستفيد منها لمصلحة البناء العام الذي ينتمي إليه.

ويتحتم على الإعلامي العربي في المهجر أن يأخذ بمعطيات البلد الذي يعيش فيه ويحترم قوانينه، فهو بلا شك يتمتع بفضاء حرية الصحافة والإعلام، وحرية الرأي والتعبير، ولكن هذا لا يعني الحرية المطلقة، فهناك قوانين يجب احترامها، فعلى سبيل المثال لا يمكن للإعلامي ومهما كان انتمائه أن يدعو إلى العنصرية، أو الحرب أو يفشي أسرار الدولة أو يثير النعرات الطائفية. التواصل مع الوطن الأم سيكون عبر كتابات أو برامج تعكس الوضع الذي يعيش فيه، أو ينقل بأمانة كيف يفكر الرأي العام الغربي بقضاياه، لينقل الصورة إلى أبناء وطنه غير منقوصة، كي يطلعوا على حقيقة التفكير الغربي، وكيف يتطور وكيف يمكن التأثير فيه، ومخاطبة الغربي بلغته هو الأهم فمنطق الأشياء في عالمنا لا يتطابق بالضرورة ومنطق الأشياء في عالمه، وعلينا أن نعرف الطريقة المثلى لمخاطبته والتأثير فيه.

التفاؤل كبير مع جيل المهاجرين الجدد جيل النخبة والكفاءات بتفعيل دور الإعلام أكثر فأكثر، ليكون هذا الجيل هو جيل الآثار الحضارية والتأثيرات الفكرية والثقافية.