ملكون ملكون يكتب: في ديوانها "البوابة الثامنة" ... "إليزابيث كورندال" ترصد سحر دمشق بعين السائح، ولاتبوح بالوجع!

في ديوانها الشعري "البوابة الثامنة"، تتغلغل "إليزابيث كورندال" في مسام القصيدة لتتماهى بأبواب دمشق السبعة، وتبتدع بوابة ثامنة لدمشق، فتلقي بياسمين قصائدها على "البوابة الثامنة" التي هي للغريب كما تقول.

الشاعرة السويدية "كورندال" عشقت الشام، وشربت من رخام القصيدة ماءً زلالاً، فكانت مجموعتها الشعرية "البوابة الثامنة" الصادرة عن دار مسارات للنشر والتوزيع، في 90 صفحة تضمنت 50 قصيدة، وعلى الرغم من أن "كورندال" كتبت قصائدها باللغة السويدية، إلا أنها أصدرتها مطبوعة في كتاب باللغة العربية بعد ترجمتها من قبل الشاعر "حنا حيمو"، الذي بذل جهداً كبيراً في الترجمة ليحافظ على روح الفكرة والكلمة والنص.

الديوان الشعري "البوابة الثامنة" للشاعرة "إليزابيث كورندال" وترجمة الشاعر حنا حيمو

وتعترف "كورندال" أنها كتبت قصيدة "لم أزر دمشق أبداً" في وقت بالفعل لم تزرها ولم تشاهد صوراً لها أيضاً، لكن شيئاً ما جعلها تستجيب لنداء داخلي لتكتب عن دمشق على حد تعبيرها، حيث تقول في القصيدة:

أيها القرّاء

يا حماة الشعر تعالوا

فرشت لكم بساطاً على الأرض

تحت الشجر

لم أزر دمشق أبداً

وهذه القصيدة

كتبتها دمشق

وبعد ثلاث زيارات للشاعرة السويدية لدمشق كتبت قصائدها، لكنها قدمت مايشبه نظرة مثالية طوباوية لدمشق، وكأنها ظلت أسيرة لنظرة السائح الأوروبي للشرق وسحره، وتَفَرّد تفاصيل الأماكن المدهشة للسائح. ولكن يُؤخذ على "كورندال" أنه كان يتوجب عليها التخلي عن الدهشة بعد الزيارة الاولى، وأن تتفرغ لتراقب بعين الأديب الشفافة معاناة الناس وبؤسهم، وتوقهم لحياة أكثر راحة وحلمهم بحرية وعيش كريم يستحقونه. فلا نجد في كتاب صدر في نهاية العام 2015 سوى بضع كلمات في مقدمة الكتاب -تلميحاً وليس تصريحاً-  عما تمر به سوريا منذ ست سنوات إذ تقول: "من معرفتي العميقة لكل المعارك التي دارت وتجري في هذه المدينة، في هذا البلد الذي تبناني كما قلت مرة، أحمل أنا أيضاً ندوباً من فرح الذاكرة، والشوق وليس أقلّها تقاسمي للألم مع من هم هناك، ومن هم في أرجاء الأرض يتوقون لسوريتهم".

هنا علينا أن نتوقف قليلاً، لأن القصائد كُتبت والكتاب صدر في عام 2015، أي بعد مرور خمس سنوات على الحرب السورية، والتي شاهدَت بعضاً من تفاصيلها عند زيارتها لدمشق خلال استعار المعارك. لذا كان مأمولاً أن تكتب عما شاهدته وتوثق ما لمسته من أوجاع في لحظة فارقة يبحث فيها الجميع عن صياغة التاريخ من جديد عبر الأعمال الأدبية التي باتت مؤخراً ظاهرة متفردة في عالم الأدب العربي.  

لكن كي نكون منصفين فإن قصيدة واحدة في الديوان تقترب الى حدٍ ما مما قلناه، وهي قصيدة "وراء المنبر" إذ تختمها قائلة:

أراك تصنع قهوتك

تفتح جاروراً غريباً

تجد ملعقة شخص آخر

لكن القهوة التي تحركها

السيجارة التي تشعلها

يحملان رائحة بيتك

ما أراه هنا تسجيل على "اليوتيوب"

لكنك ها هنا، في كل العالم

ركوة القهوة هذه

وهذا القلم الذي يضخ آباراً من كلمات المنافي

ودمائها

وكذلك في قصيدة بعنوان "دمشق تحترق" ولكنها اقتربت من الغوص في التفاصيل ثم أحجمت الشاعرة، وكأنها احتفظت ببقية الحكاية لقصيدة أخرى. تقول "كورندال":

ثلج يتطاير فوق ماء الشتاء السويدي

الأسود

شعر الصفصافة الطويل

يخشخش أغاني معدنية

لماذا أحمرّت السماء؟

يتساءل الكلب بهدوء

وهو يميل بجسمه الحريري عند قدمي صاحبته

يصمت

يعرف

دمشق تحترق

وبالمقابل تبرز دمشق بكل تفاصيلها الجميلة في قصائد "كورندال"، لنجد عبارات كــــــ (شوارع باب توما؛ الصابون الدمشقي؛ الكمون الشامي؛ قاسيون؛ فيروز؛ بردى؛ رائحة الهال؛ الياسمين؛ أشجار الغوطة؛ نزار قباني)، وتأتي هذه العبارات ضمن توظيف شعري جميل يلقي على القصائد غلالة شفافة من أنفاس روح الشرق التي باتت لاهثة أكثر من أي وقتٍ مضى.

لكن إنصافاً لهذا الجهد المبذول وهذه المشاعر الجياشة والصادة، فإننا نرفع القبعة للشاعرة السويدية لعشقها الشام، وتوثيقها هذا العشق بقصائد جميلة لتصبح صورة دمشق أكثر وضوحاً لدى السويديين، فتعيد الاعتبار لعراقة هذه المدينة، منتظرين أن تكون قصائد "إليزابيث كورندال" القادمة عن دمشق أكثر بوحاً وإنصافاً لما يحدث لدمشق التي تحترق.