إيمان أبو قاعود تكتب: فريحات وضعت بيتاً تراثياً على الخارطة السياحة في جرش

لم تقف مكتوفة الأيدي أمام ظروفها العائلية الصعبة، فهي أم لسبعة أبناء اثنان منهم من ذوي الإعاقة، مما دفعها لبذل كل طاقتها لمساعدة زوجها على تحمل مشاق الحياة، وتوفير العيش الكريم لعائلتها. مريم فريحات التي دفعها إصرارها على التحدي للحصول على الثانوية العامة بعمر السادسة والأربعين، وتحويل بيت تراثي عمره 150 عاماً إلى قبلة للسياحة في محافظة جرش، ومساعدة النساء في محيطها وتمكينهن وتأمين فرص عمل لهن.

فريحات القاطنة في قرية "الجزازة" الواقعة على أطراف محافظة جرش في الشمال الغربي من العاصمة عمّان، تروي قصة مثابرتها ونجاحها لشبكة نساء النهضة فتقول "تعود بي الذاكرة لـ 21 عاماً مضت حين تزوجت من ابن عمي، ورزقني الله سبعة من البنين والبنات اثنان منهم من ذوي الإعاقة، مما أضاف عبئاً وضغطاً نفسياً على العائلة بسبب حاجة ذوي الإعاقة إلى رعاية أكبر ونظرة المجتمع لهذه الفئة، فقررت التوجه للعمل التطوعي لتجاوز هذا الأمر ومنح أبنائي الرعاية الكافية وأن أزيد ثقتهم بنفسهم عن طريق تعريف الناس والمجتمع بذوي الإعاقة".

مريم فريحات (يمين) والزميلة إيمان أبو قاعود (يسار)

تكمل فريحات وتقول "يعاني ابني الأول من تشوه خلقي في عضلة القلب والقولون، وبسبب حالته الصحية لا يستطيع ممارسة حياته الطبيعية كباقي اخوانه وأقرانه، أما الثاني يعاني من صعوبة في النطق ناتج عن نقص الأوكسجين على الدماغ أثناء الولادة. هذا حفزني لأن أجعل منهما أفرادا صالحين ومنتجين في المجتمع، فقررت استغلال مهارتي بالزراعة التي ورثتها عن عائلتي بتأسيس مشتل زراعي، بالإضافة إلى ضمان مزارع الزيتون وقطافها، وهذا ما ساعدني على توفير المال اللازم للعمليات التي يحتاجها ابني الأول، والحاقه بعدها بالعديد من الدورات التدريبية، وهو الآن يعمل طاهٍ في إحدى الشركات الكبرى. أما عن ابني الثاني قمت بمساعدة متخصصة بالنطق على معالجته بشكل بسيط، مما مكنه من تحديد احتياجاته، كما قمت بتطوير مهاراته ليساعدني بمشروعي السياحي في استقبال الضيوف وخدمتهم".

لم يمنع اهتمام السيدة فريحات بأبنائها من ذوي الإعاقة، ولا عملها في المشتل من الحصول على شهادة الثانوية العامة وهي في سن السادسة والأربعين. تعلق فريحات بالقول "بعد خمس سنوات من العمل في المشتل وحصولي على شهادة الثانوية العامة، بدأت بشراء الدواجن والأغنام وتربيتها، لبيع الحليب، والبيض، والألبان والأجبان، بالإضافة إلى صنعي أطباق تراثية أبيعها للعائلات، حيث كنت مشهورة بمنطقتي بصنع طبق اللبن المخلوط بالزعتر الفارسي الذي تعلمته عن أمي، والذي أصبح مصدر دخل رئيسي لي".

من منتجات السيدة فريحات

وتضيف "التحقت بالعديد من الدورات التعليمية مع الجمعيات المحلية ومنظمات المجتمع المدني، وبدأ عملي بالتوسع خارج حدود القرية، وفي اجتماع عقدته احدى المنظمات لتمكين المرأة اختارني الأهالي لأكون ممثلة عن المرأة في منطقتي، على أثرها قمت بتأسيس جمعية تعاونية، ساهمتُ مع السيدات ببيع الأدوات المنزلية للأهالي بالتقسيط، بعدها بفترة قدمت مشروعاً لمؤسسة نهر الأردن لإنشاء رياض للأطفال حيث كانت المنطقة تفتقر لهكذا مشروع، حيث حصل مشروعي على الدعم وأسسته وإلى الآن قام رياض الأطفال بتخريج 1600 طفل خلال عمر المشروع البالغ عشر سنوات".

وحول مشروع "بيت جدي" تقول فريحات "كان يوجد في القرية بيت أثري مهجور، وكنت أحلم بتحويله لمشروع مطبخ إنتاجي، فقادني حلمي لأن أقدم فكرة المشروع  للجمعية الملكية لحماية الطبيعة التي دعمتني في شراء المنزل وترميمه وبناء غرف إضافة له لتصبح الآن سبعة عشر غرفة، حيث استغل جزءاً من البيت للعيش فيه مع أسرتي، والجزء الأكبر للمطبخ الإنتاجي واستقبال الزوار فيه للمبيت".

"بيت جدي"

عملت فريحات على إشراك السيدات في منطقتها بمشروعها السياحي وتمكينهن اقتصادياً عبر توفير فرص عمل لهن، وذلك من خلال شراكتها مع مشروع Bookagri الذي يهدف إلى تمكين المزارعين عبر عمل جولات سياحية للزوار في المزارع ومساعدة المزارعين بعملهم اليومي والعديد من الأنشطة لتجربة حياة المزارع الأصيلة.

تقول فريحات "النجاح بحاجة إلى إرادة وتذليل الصعوبات، والأجمل من تحقيق النجاح هو مشاركته مع محيطك".

"بيت جدي" هذا البيت الدافئ الذي يحمل الكثير من الذكريات والعمل والطموح، يوفر للزائر فرصة تناول الطعام التراثي من صنع السيدات المحليات مثل "التشعاتشيل"، والرشوف، وورق العنب، والمجدرة، ومشاركة المزارعين جني المحاصيل الزراعية وقضاء ليلة في البيت أيضاً.