عبد الهادي الركب يكتب: مهرجان عمّان السينمائي ... إضاءة في مسيرة السينما الأردنية

منذ إنجازها الفيلم الأول عام 1958، تحاول السينما الأردنية حجز مقعد لها في المشهد السينمائي العربي والعالمي، لينطلق اليوم "مهرجان عمّان السينمائي الدولي-أول فيلم" كخطوة جريئة لإكمال الخارطة السينمائية الأردنية التي ابتدأها صنّاع شغوفون بالمهنة، بدورة ثانية تحمل بجعبتها أكثر من واحد وخمسين فيلماً من ستة وعشرين بلداً، تتنوع ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة، والوثائقية كفرصة للجمهور الأردني والعربي لمتابعة أفلام جديدة خاصة بعد القيود التي فرضتها جائحة كورونا في الفترة الأخيرة على دور العرض. كما تستضيف هذه الدورة "مهرجان الفيلم الفرنسي-العربي" في قسم خاص لعرض أفلام من السينما الفرنسية، أو من إنتاج مشترك مع السينما الفرنسية كتعاون دولي مثمر.

 

السينما الأردنية نشأة ومعاناة

وعند الإضاءة على تاريخ السينما الأردنية نجد أن معالم ولادتها بدأت تتفتح باكراً منذ تأسيس "دائرة السينما والتصوير" التابعة لوزارة الإعلام عام 1968، التي كانت قد رسمت طريق البداية، الطريق الذي أنتج فيما بعد عدة أعمال كانت باكورة الرحلة السينمائية الأردنية، كفيلم "صراع في جرش" عام 1958 على يد المخرج "واصف الشيخ ياسين" الذي يعتبر أول خطوة حقيقية على الطريق. كما تلا هذه المحاولة فيلم "وطني حبيبي" الذي تولى كتابته وإخراجه "عبد الله الكعوش" الذي كان الفيلم الأردني الأول تمويلاً وانتاجاً وتمثيلاً.

في تلك الأثناء كانت صناعة السينما في الأردن تعاني من نقص المهارات، وشح التمويل، بالإضافة إلى عدم توافر المعدات الملائمة للتصوير، وهذا ما زاد مسيرتها تعقيداً. على الرغم من ذلك؛ لم يكن صعباً على السينما الأردنية تمثيل نفسها في المحافل الدولية، حيث حجزت لنفسها مقعداً في مهرجان دمشق السينمائي للشباب عام 1972 عبر فيلم "الأفعى" للمخرج جلال طعمة، الذي جاء ليسخّر خبرته في سبيل السينما. لم تتوقف التجارب والمحاولات في الإبقاء على ضخ الحياة في قلب السينما الأردنية، حتى أدرك العاملون في هذا المجال أن الأمر بحاجة للمزيد من الدعم الحكومي والمؤسساتي للنهوض به.

 

التنوع الطبيعي في الأردن حاضن للسينما العالمية

يزخر الأردن بتنوع جغرافي ميزه عن الكثير من الدول، مما جعله يستدرج صنّاع السينما من العالم لاستغلال هذا التنوع الممتد من السهل إلى الجبل، ومن الصحراء إلى البحر بغية إتمام تصوير العديد من الأعمال التي لاقت شهرة عالمية، مما جعل الأردن بيئة حاضنة تقدم التسهيلات والخدمات للسينما العالمية. ساهم تأسيس الهيئة الملكية الأردنية للأفلام بالاستمرار بالحلم، عن طريق جذب الفرص للأردن، لتشهد هذه الأرض تصوير أعمال عالمية خالدة مثل "لورانس العرب" و "السندباد وعين النمر" و "إنديانا جونز والحملة الأخيرة" و " The Martian" و"Transformers: Revenge of the Fallen"، هذا بالإضافة لفيلم "ذيب" الذي صدر في العام 2014، من تأليف وإخراج ناجي أبو نوار، الذي نجح بالترشح لنيل جائزة "أوسكار" عن فئة أفضل فيلم أجنبي فضلاً عن حصده العديد من الجوائز على المستويين المحلي والعالمي.

فيلم "ذيب" من تأليف وإخراج ناجي أبو نوار

 

جهود المؤسسات في الحفاظ على الإرث السينمائي

لا يتوانى رواد السينما والعاملون بها في الأردن عن التمسك بالمحافظة على فكرة إيجاد سينما وطنية إن كان بالصناعة أو بالتنفيذ بجهود فردية أو مؤسسية. قامت مجموعة من المؤسسات التي كرست نفسها خدمة لهذا القطاع أمثال مؤسسة عبد الحميد شومان التي استحدثت لجنة صناعة السينما فيها في التسعينيات، التي تقدم للجمهور وجبات سينمائية مجانية من شانها رفع الوعي بأهمية هذا الفن في المجتمع لكافة أفراده وأطيافه، بالإضافة إلى جهود الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، التي تسعى إلى الأخذ بأيدي الناشئين، وتجهيز "بيت الأفلام" كأرشيف للأعمال المحلية والعالمية، ووضعها بمتناول الجميع. فضلاً عن مبادرات المؤسسات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني، في إنقاذ ما تبقى من جهود جادة قدمتها السينما الأردنية.

تحتضن اليوم المملكة الأردنية الهاشمية على أرضها العديد من المهرجانات، كمهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان، الذي كافح بإنجاز إحدى عشرة دورة سينمائية في العاصمة وفي المحافظات، إلى جانب أيام الفيلم الفرنسي ومهرجان الأفلام الأوروبية في عمّان بوصفهما نافذة تعطي الفرصة لمواكبة كل ما هو جديد، بالإضافة إلى استحداث مهرجان عمان السينمائي العام الفائت كخطوة يعوّل عليها مع المهرجانات السابقة في تغطية المشهد الثقافي الأردني واستمرارها حتى اليوم بانطلاق الدورة الثانية.

 

مناشدات لإنقاذ ما تبقى من دُور العرض السينمائية

في منتصف العاصمة الأردنية عمّان توزعت أكثر من خمس عشرة صالة عرض سينمائي تتزين بيافطاتها المهترئة، كانت قد شهدت تاريخاً ثقافياً مميزاً، في ليال سامرت الأردنيين لعشرات السنين، برفقة فنانين ومخرجين وممثلين، توافدوا إلى الصالات في عروض الأفلام. وبحسب ما ذكر الناقد والمؤرخ السينمائي سميح أبو شيخة، فإن سينما البتراء الواقعة في وسط عمان قد شهدت زيارة الفنانة الراحلة أسمهان برفقة شقيقها الموسيقار فريد الأطرش أثناء افتتاح فيلم "انتصار الشباب" عام 1943. وهناك العديد من الأمثلة الحية التي توثق مسيرة تلك الصالات التي استضافت أمراءً ورؤساء ومشاهير.

أما اليوم؛ فالغبار يلف الأبواب المهترئة والمغلقة لعشرات السنين، وحزن يسطو على ذاكرة الكثيرين ممن يملكون ذكريات على مقاعد تآكلت بالهجران. وضعٌ دفع العديد من العاملين والمحبين للسينما لمناشدة الحكومة والمؤسسات المعنية لإنقاذ ما تبقى من تلك الصالات، بوصفها إرث حقيقي رسم بمشاعر الزائرين والحاضرين، وذلك بإعادة فتحها لعرض أفلام الزمن الجميل العابقة بذاكرة الجيل، أو ربما تحويلها لمراكز ثقافية وسياحية بعدما تعرض العديد منها للهدم أو للإغلاق، علّها تبعث الأمل من جديد، لأن السينما تمثل حضارة وتاريخ الشعوب.