ملكون ملكون يكتب: تصاعد الخطاب الشعبوي في السويد.. هل المهاجرون عبء؟

مع تصاعد الخطاب الشعبوي المتطرف تجاه اللاجئين في السويد تبدو الصورة قاتمة ولا تبشّر بالخير، فما كان يقال في الخفاء بات يحكى في العلن دون أي مساحيق تجميل خادعة. ولعل التصريحات الأخيرة لرئيس حزب "ديمقراطيو السويد" المتطرف، جاءت بمثابة إعلان واضح لما ستؤول إليه الأمور بالنسبة للمهاجرين وذلك قبل عام من الانتخابات البرلمانية في السويد.

صرّح جيمي أوكسون رئيس الحزب عبر حسابه على "التويتر" قائلاً: "السويد بحاجة لوقف الهجرة التي تشكل عبئاً اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً على السويد والمجتمع، ولا يمكن تحمل ذلك للأبد".

ردود الفعل

هذا التصريح الخطير أثار ردود فعل كثيرة لدى الأحزاب الأخرى كالحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم وحزب الوسط المناوئة لتصريحاته، وبالمقابل وجد أوكسون من يسانده من أحزاب المعارضة، فقد أيده أولف كريسترسون، رئيس حزب المحافظين الذي اعتبر أن الهجرة باتت عبئاً إضافياً على السويد. فيما احتج العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي على تصريحات كريسترسون من خلال نشر صور لأنفسهم أو لأقاربهم مع نصوص مثل "العبء الذي أحبه" أو "ابن فخور بأنه عبء".

 

 

 

أساس الأزمة

السنوات الثمانية من حكم اليمين (2006 -2014) أدت إلى انقسامات اجتماعية عميقة في المجتمع. وكان أولئك الذين يعيشون على الهامش هم الأكثر تضرراً. وأصبح مفهوم "العزل" الذي صاغه كريسترشون، رئيس حزب المحافظين الحالي حين كان وزيراً، أكثر تفاقماً أثناء فترة توليه السلطة. كما مهد الاتفاق بشأن الهجرة في ظل الحكومة اليمينية الطريق أمام موجة كبيرة من طالبي اللجوء في العام 2015. ومع تراجع الرفاه الاجتماعي وانخفاض الضرائب في عهد اليمين، أصبح المهمشون أكثر تهميشاً، ونتيجة لتراجع الرفاه الاجتماعي زادت الجريمة والعصابات في المناطق المعرضة للخطر. مما ترك كتلة من الأزمات والتحديات، وكان لابد لحكومة الاشتراكيين معالجتها فيما تلا.

 

سلّة واحدة

من المؤكد أن هناك كثيراً من المشاكل والأزمات في مجتمعات المهاجرين، كالجريمة والأعمال غير الشرعية وضعف التأقلم مع المجتمع السويدي، لكن الدعاية الإعلامية المتطرفة تسلط الضوء بقسوة على هذه المشاكل إلى حد تضخيمها، والأخطر أنها تضع جميع المهاجرين في سلّة واحدة ولا تميز بين الفئات الفاعلة والإيجابية من المهاجرين وإنجازاتهم ومساهماتهم الكبيرة في سوق العمل السويدي، وهذه أجندة سياسية بحتة تستخدمها الأحزاب السويدية المعادية للمهاجرين بذكاء في مواسم الانتخابات لحصد المزيد من الأصوات، وهذا ما حدث في الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2018، وغالباً ستكون النتائج سلبية أكثر فأكثر في الانتخابات القادمة.

 

عبء أم عنصر مهم

تقدّر الأعداد الإحصائية عدد سكان السويد بما يقرب من 10 ملايين ونصف المليون نسمة، ويبلغ عدد المواطنين واللاجئين العرب في السويد نحو 650 ألف نسمة، يشكلون ما نسبته 6% من عدد السكان، حيث تعتبر الجاليتان السورية والعراقية أكبر جاليتين في السويد، حيث تبلغ الجالية السورية في السويد نحو 190 ألفاً، بينما تبلغ الجالية العراقية حوالي 167 ألفاً.

وتعتبر اللغة العربية اللغة الثانية كلغة أم في السويد، متقدمة على اللغة الفنلندية، وهذا ما يؤكده ميكاييل باركفال، أستاذ مادة اللسانيات في جامعة ستوكهولم بقوله: "هناك نحو 400 ألف شخص يعتبرون اللغة العربية لغتهم الأم، ويمكن أن يصل هذا العدد لــــــــ 450 ألفاً".

وساعدت الأعداد الكبيرة للجاليات العربية في السويد على دخولهم بسرعة في الاقتصاد السويدي، حيث أقاموا العديد من المشاريع الاقتصادية الخاصة بهم، وعملوا كذلك بجدٍ على خلق أرضية للتعاون والتواصل مع الشركات السويدية، وهذا يعتبر محركاً للاقتصاد السويدي ويجلب عوائد كبيرة للدولة.

فقد سلط موقع بلومبيرغ "Bloomberg" والمتخصص في الخدمات الإخبارية والإعلامية والمعلومات المالية، الضوء على انتعاش الاقتصاد السويدي بعد قدوم المهاجرين، فيقول الخبير الاقتصادي لارس كريستنسن: "لقد جاء هؤلاء اللاجئون في الوقت المناسب، إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي في السويد أكثر من 3%، وهو أسرع معدل نمو في أوروبا والذي بلغ 2% في السنوات الأخيرة".

ويؤكد الإعلام السويدي والجهات الرسمية على أن المهاجرين الذين قَدِموا للسويد في الأعوام الأخيرة قد تركوا بصمة مهمة، وأنهم حققوا نجاحات في مختلف المجالات. فمن أمثلة النجاح على الصعيد العلمي؛ نجح المهاجر مأمون طاهر، الباحث في جامعة "أوبسالا" السويدية، في حل مشكلة تحول مادة الغرافين" إلى مادة الغرافيت"، والتي واجهت العلماء على مدى عقود من الزمن، فقد استطاع هذا المهاجر السوري الأصل من تطوير مادة تدعى "آروس غرافين" والتي تمنع عملية تحول مادة "الغرافين" مما أمكن في استخدامها في العديد من الصناعات، وهذا الإنجاز قد تم تسجيله للسويد، مما يجعل المهاجرين أداة دعم للدولة في مختلف الميادين العلمية والاقتصادية والمجتمعية.