نايف منجد يكتب: دور وسائل التواصل الاجتماعي في القضية الفلسطينية بين مناصر ومتخاذل

"حتى لو خرجتُ منه فأنتِ لن تعودي إليه، وإذا لم أسرقه أنا سيسرقه غيري". كان هذا رد المستوطن الأمريكي الأصل والمدعو يعقوب على الشابة الفلسطينية منى الكرد حين طلبت منه مغادرة منزلها الذي استولى عليه. نشرت الكرد هذا الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لإيصال معاناة الفلسطينيين في حي الشيخ جراح في القدس المحتلة للعالم أجمع، فقد أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي قراراً في العام 2009 يقضي بتمكين مستوطنين إسرائيليين من السكن في منزل عائلة الكرد، إذ قام 15 مستوطناً باقتسام المنزل مع العائلة، ومضايقة أفرادها، والاعتداء عليهم في كثير من الأحيان وعلى من تضامن معهم.

حتى لو أنا خرجت منه فأنتِ لن تعودي إليه، وإذا لم اسرقه أنا سيسرقه غيري

 

 

الدور المناصر لوسائل التواصل الاجتماعي

كان لمنصات التواصل الاجتماعي الدور البارز في انتشار الفيديو كالنار في الهشيم عبر العالم الافتراضي، وذلك تبعاً لحافز التعرف على قضية حي الشيخ جراح وتسليط الضوء على محاولات الاحتلال الإسرائيلي إخلاء 500 فلسطيني من سكان الحي من منازلهم لصالح المستوطنين، فكانت منصات التواصل الاجتماعي الملاذ الأخير لنشر قضية حي الشيخ جراح، بعد فشل محاولات المقدسيين في تسليط الضوء على قضيتهم عبر وسائل الإعلامية التقليدية. استخدم الفيديو وسم "هاشتاغ" #أنقذوا_حي_الشيخ_جراح، والذي جاء ضمن حملة إلكترونية نفذتها الإعلامية الشابة الكرد، لنشر معاناة الفلسطينيين في القدس بسبب سياسات الاحتلال الإسرائيلي القائمة على العنصرية ومعاداة الإنسانية.

النشر المكثف على وسائل التواصل الاجتماعي واستخدام اللغات المتعددة لإيصال معاناة الفلسطينيين، ساهما بشكل فعال في نشر جرائم الاحتلال الإسرائيلي وتعريته أمام العالم، إذ أفاق العالم على حقائق وقصص مروعة من أرض الواقع، بعد أن كان مغيّباً لعقود بسبب السياسات المتبعة من قبل الإعلام التقليدي الذي تهيمن عليه الصهيونية والتي تخفي جرائمه ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وترسل صور لامعة عن الاحتلال الإسرائيلي لتظهره بمظهر الضحية.

تخاذل وسائل التواصل الاجتماعي

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي الدور الأكبر والأبرز في تسليط الضوء على القضية الفلسطينية وظهورها في الواجهة العالمية، والزخم وحملة التعاطف التي اكتسبتها، قامت على إثرها الشركات المالكة لمواقع التواصل الاجتماعي والمؤيدة للاحتلال باستخدام خوارزميّاتها المتعلقة بالكشف عن المحتوى المسيء أو المضلل، ضد المنشورات التي تتعلق بالقضية الفلسطينية وذلك للتعتيم عليها وإفقادها ذلك الزخم الذي حصلت عليه. فقد حُذفت المنشورات التي تتعلق بالقضية الفلسطينية تلقائياً مع حظر المستخدمين من استخدام منصات التواصل الاجتماعي لفترات متفاوتة تبدأ من يوم وتمتد إلى شهر، كما يمكن أن يصل الأمر بصاحب المنشور أو الصفحة إلى الحذف نهائياً، بالإضافة إلى دعمها للأشخاص والصفحات المؤيدة للاحتلال الإسرائيلي، فقد عملت في بعض الأحيان على إكساب الصفحات الداعمة للاحتلال متابعات وهمية تجعلها في الصدارة، فوجد بعض المستخدمين أنهم قد سُجلوا بوصفهم متابعين لبعض الصفحات الإسرائيلية والعالمية الداعمة والمناصرة للاحتلال الإسرائيلي رغماً عنهم ومع عدم متابعتهم لها فعلياً، وذلك في تواطؤ من قبل الشركات المالكة لمواقع التواصل الاجتماعي مع الاحتلال لمنح الحملة الإسرائيلية المضادة للقضية الفلسطينية الزخم المطلوب لإزاحة هذه القضية عن الواجهة.

 

وسائل ضغط

في محاولات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي للتحايل على الخوارزميات المستخدمة لإسكات صوت الحق الفلسطيني، كان التلاعب في اللغة، فتارة يكتبون الكلمات متصلة بحيث يكون المنشور عبارة عن كلمة واحدة، وتارة أخرى يستخدمون اللغة العربية دون نقاط ليستحيل على الخوارزميّات قراءتها ومعرفة ما تحمله من معنى، ولكن مواقع التواصل الاجتماعي كانت بالمرصاد، فقد عملت على تحديث منظومتها من الخوارزميّات لكشف هذ التحايل عليها، وهذا ما دفع بعض المستخدمين إلى هجر منصات التواصل هذه الداعمة لكيان الاحتلال الإسرائيلي مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام، إلى منصات أخرى مملوكة لبعض المستثمرين والمبرمجين العرب مثل منصة باز (Bazz)، التي منحت الحرية للمستخدمين في نشر القضايا المختلفة خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

هشاشة الاعتذار

كان لخوف الشركات المالكة لمواقع التواصل الاجتماعي من خسارة مشتركيها ومستخدمي خدماتها الدعائية، بالإضافة إلى قيام العديد من المستخدمين من مؤثرين وإعلاميين وشخصيات عامة من الداعمة للقضية الفلسطينية بإمطار هذه الشركات برسائل وشكاوى تندد بحذف المحتوى الفلسطيني، وإطلاق حملة لوضع تقييمات منخفضة لهذه الشركات وتطبيقاتها كوسيلة للضغط عليها، دور كبير في تقديم هذه الشركات اعتذارات متتالية عما وصفته بأنه "خطأ برمجي".

 فقد عمدت شركة فيسبوك إلى تقديم اعتذار عن طريق مسؤولين تنفيذيين كبار في الشركة لرئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتيه، حيث اعترفت الشركة بوجود "مشكلة كامنة في خوارزميّاتها" ووعدت بحل هذه المشكلة على حد قولها. وقدمت منصة تويتر اعتذاراً على لسان متحدثها قال فيه “نستخدم مزيجاً من التكنولوجيا والمراجعة البشرية لتعزيز قوانين تويتر، لكن في هذه الحالة، قامت أنظمتنا الآلية المبرمجة باتخاذ إجراءات بحق عدد من الحسابات عن طريق الخطأ"، كما ألقت منصة إنستغرام اللوم على "خلل تقني" تسبب بحذف وحظر منشورات مرتبطة بالقضية الفلسطينية. هذا وقد اعتبر مناصرو القضية الفلسطينية على وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأعذار مجرد أعذارٍ واهية وهشة، لا ترقى لاعتبارها اعتذارات حقيقية.

وفي الختام، لا بد لنا من الإشارة إلى الدور الكبير الذي لعبته وحدة الشعوب العربية بغض النظر عن مواقف حكوماتها –والتي كانت في بعض الأحيان متخاذلة في مواجهة العدو الصهيوني- في دعم صمود الفلسطينيين أمام جرائم الاحتلال العنصرية التي تعادي الإنسانية، وإلى دور الشباب العربي كذلك وهو المثقف بالقضية الأسمى، القضية الفلسطينية، واستخدام جميع المصادر والموارد والتكنولوجيا الحديثة في فضح الاحتلال الإسرائيلي وتعرية ممارساته.

وعلينا إبقاء نار المقاومة المشروعة مشتعلة، مع المحافظة على الزخم الذي اكتسبته القضية ومقاومة "نسيانها" عن طريق الحفاظ على نشر المعلومات والحقائق، وتوثيق جرائم الاحتلال الإسرائيلي لنصل إلى المرحلة التي ننتزع بها حقنا المشروع ونحاكم الاحتلال على جرائمه ضد الشعب الفلسطيني.