عبد الهادي الركب يكتب: النكسة في السينما العربية...حقيقة غيّبتها السلطة

مضت أربع وخمسون عاماً على الهزيمة الأكبر في التاريخ العربي الحديث وما يزال الجرح العربي غائراً حتى اليوم. ففي الخامس من حزيران من كل عام، يستعيد العرب ذكرى نكسة 1967، وهي التي ألحقت الخسارة الفادحة بالبشر والحجر، في معركة غير متكافئة، دارت على محاور عدة، كان مركزها درة بلاد الشام، فلسطين العربية.

وفي ظل حرب يلفها الغموض المتعلق بأسباب الهزيمة وإنكار الأطراف العربية لها، لم يتوانَ الإعلام العربي عن البحث عن حقيقة ما جرى، ليدفع ذلك العديد من السينمائيين العرب لخوض غمار البحث عبر صناعة أفلام تسلط أضواءها على النكسة، وتستعرض أسبابها وكواليس خسارتها، لتقديم مادة سينمائية تحمل نفسَاً توثيقياً للمشاهد العربي.

صحيحٌ أن هؤلاء السينمائيين قد أدركوا مدى صعوبة الفرار من مقصّ الرقابة، أمثال يوسف شاهين، وعلي بدرخان، ومحمد راضي وغيرهم، إلا أنهم قدموا محاولات جادة سعت إلى تشريح الحرب بصرياً، وذلك ما كان ضد رغبة السلطة، ليصل مصير العديد من الأعمال إلى نفق المنع من العرض آنذاك.

 

أفلام النكبة.. توثيق المعاناة الفلسطينية

أصل الحكاية، بدأ منذ عام 1948، عام النكبة الذي كان بداية الخسارات، والذي دفع الكثير من صنّاع الأفلام للبدء في مشوار الحديث عن فلسطين بلغة الصورة. على سبيل المثال، قدمت المخرجة روان الضامن سلسلة أفلام وثائقية بعنوان "النكبة" والتي تصنّف واحدة من أهم الأعمال السينمائية التي قدّمت معالجة للأحداث التي توالت في البلاد، ابتداء من العام 1799 وحتى عام 2008، وقد قُسّمت السلسلة إلى شريط وثائقي بأجزاء أربعة، تحدث عن بداية المؤامرة المتمثلة بوعد بلفور وصولاً إلى مخيمات الشتات التي لجأ الفلسطينيون إليها في الأردن، ولبنان، وسوريا.

وعلى الرغم من تضييق الخناق على الصنّاع الفلسطينيين، إلا أنهم مضوا في الإيمان بأهمية تسجيل الانتهاكات التي تمارس بحق شعبهم، عبر نقلها من الأرض إلى الشاشات من خلال أعمالهم. ففي فيلم "الزمن الباقي" لمخرجه إيليا سليمان، نلمس وجع الغربة الذي عاشه فلسطينيو الداخل عقب محاولات يقودها الاحتلال لطمس الهوية الفلسطينية. لا يختلف الوضع كثيراً في فيلم "حارس الذاكرة" للمخرجة سوسن قاعود التي سلطت الضوء على مبادرة انطلقت لتوثيق القرى الفلسطينية التي تعرض سكانها للتهجير منذ عام 1948.

وعند التعريج على التجربة السورية في هذا التوثيق، فلا بدّ لنا أن نستذكر تجربة المخرج باسل الخطيب وهو المنحدر من أصل فلسطيني والمقيم في سوريا، وذلك في مسلسل "عائد إلى حيفا"  المأخوذ عن رواية الكاتب الفلسطيني الكبير غسان كنفاني، حيث صاغ الخطيب بعينه الفلسطينية مشاهد التهجير في النكبة، وما تلاها من ويلات ومخاضات ألمٍ عاشها أبناء جلدته، فنراه يصور سقوط حيفا بحرقة، بعيون شخصيتي الزوجين سعيد وصفيّة، لينتهي بهما المطاف لاجئين في مخيمات الشتات.

مسلسل عائد إلى حيفا

 

وفي خطوة مهمة للسينما الفلسطينية، تجدر الإشارة إلى فيلم "الهدية" للمخرجة فرح نابلسي التي استطاعت إيصال المعاناة اليومية الفلسطينية إلى المهرجانات العالمية، كان آخرها الترشح للأوسكار عن فئة أفضل فيلم روائي قصير.

فيلم الهدية

 

السينما المصرية تحت مقص الرقابة

لم تقتصر الصناعة على المخرجين الفلسطينيين، بل كان للسينما المصرية رأي وإسهام فيها أيضًا، فقدم المصري أحمد بدرخان  فيلم "الله معنا" الذي ناقش رواية توجه اتهامات بالفساد لضبّاط في الجيش المصري بتوريد سلاح فاسد في حرب عام 1948 مع الكيان الصهيوني، لينجح الفيلم في العرض بعد منعه لسنوات وذلك بحجة الخشية من تشويه صورة الجيش في الأذهان. ولا يختلف الحال كثيراً عمّا قدمه الشهير يوسف شاهين عام 1972 في فيلم "العصفور" الذي تحدث عن طموحات الشعب المصري في تنمية وطنه وتحديثه، لينهار ذلك الحلم مع ما يعرف بالنكسة أو هزيمة حزيران/يونيو في العام 1967، التي أدخلت مصر في دوّامات من الخسارات الإنسانية والاقتصادية، إذ وجه الفيلم أصابع الاتهام إلى الحكومة المصرية بالتسبب في خسارة الحرب.

فيلم العصفور

 

أما فيلم "إحنا بتوع الأوتوبيس" لمخرجه حسين كمال، فقد عرض أسباب الهزيمة، وتطرق إلى واقع الظلم في المجتمع المصري، وطرائق التعذيب التي تمارسها السلطات على المواطنين، لينهي المخرج الفيلم بمشهد إطلاق "شاويش السجن الحربي" النار على رئيسه بعد أن اكتشف زيف الادعاءات التي أخبره بها بالتزامن مع وقوع النكسة. تعرض الفيلم لكابوس المنع عام 1979 ولكنه نجح في الوصول إلى دور العرض بعد عدة أشهر إذ كافح صنّاعه لتحقيق ذلك.

ويأتي فيلم "ما وراء الشمس" ضمن تصنيف الأفلام الأكثر إثارة للجدل على الطاولة السياسية المصرية وأنتج عام 1978 على يد مخرجه محمد راضي، وذلك لأن أحداثه تدور بعد النكسة إثر مطالبة قائد كبير في الجيش المصري بفتح تحقيق لكشف أسباب الهزيمة، ليتعرض للاغتيال في منزله بعدها.

 

سياسة المنع.. من النكسة وحتى اليوم

 واليوم، وبعد مرور أربعة وخمسين عاماً على وقوع نكسة حزيران/يونيو، لا يزال خطر المنع من العرض يلاحق العديد من صنّاع الأفلام، ولا تقتصر هذه الممارسة على السلطات العربية فقط، بل تتولى السلطات الإسرائيلية دوراً كبيراً في ذلك، وقد ظهرت هذه السياسة بشكل جلي هذا العام لدى صدور قرار "المحكمة الإسرائيلية المركزية" بإدانة المخرج الفلسطيني محمد بكري في قضية تشهير، وذلك على إثر مشاهد ظهرت لضابط في فيلمه الشهير "جنين جنين"، الذي صور من خلاله فظاعات الاحتلال بحق سكان مخيم جنين في عملية "الدرع الواقي" في نيسان/أبريل عام 2002. فكما يبدو، تخشى سلطات الاحتلال توثيق الحقائق بصرياً كخشيتها من أبطالها أيضاً.