نايف منجد يكتب: حرية الصحافة في العالم العربي ترزخ بين مطرقة السلطة وسندان الجائحة

ليس ببعيد عن رائحة الموت التي تزكم الأنوف بسبب جائحة كوفيد-19 التي ما فتئت تفتك بشباب وشبان العالم، يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة في ظل القيود على الحركة التي أسدلت ستائرها على كل القطاعات بما فيها قطاع الصحافة والإعلام، والذي يعاني من التضييق والقمع، خاصة في عالمنا العربي.

بعد إطلاق شبكة الإنترنت في مطلع تسعينيات القرن الماضي، واستخدامها الواسع في كافة مناحي الحياة، برزت الحاجة لاستعمالها كوسيط لنقل الأخبار، ولقلة القيود المفروضة عليها آنذاك، وانعدام الحاجة لكادر كبير ومعدات معقدة لتشغيل التطبيقات المتعلقة بها؛ بدأت الصحافة الإلكترونية تخطو خطواتها الأولى، وتطورت بتطور الإنترنت، وأضحت الصحافة الإلكترونية المنافس الجديد للصحافة التقليدية وشاشات التلفزة لنقل الأخبار بشكل أكثر جاذبية وسرعة وسهولة.

ومع بزوغ شمس الصحافة الإلكترونية، وانتشار المواقع الإخبارية الإلكترونية، وتنامي سقوف حريتها، عاد للظهور الصراع الأزلي بين الصحافة والسلطة، خاصة في بلادنا العربية التي تعد الصحافة الحرة نداً لها، ولا تعترف بالصحافة كسلطة رابعة، فبدأت الحكومات المتعاقبة بسن وشحذ قوانين فضفاضة لتواجه رقاب الصحفيين، فظهرت قوانين خاصة بالصحافة الإلكترونية مثل قانون المطبوعات والنشر في الأردن، حيث أدى مثل هذا القانون لإغلاق العديد من المطبوعات الورقية والإلكترونية في الأردن، وقانون تنظيم الصحافة والإعلام في مصر الذي كرر التجربة الأردنية في إغلاق العديد من المواقع الإلكترونية للصحافة في مصر، وهذا أدى لتطور نوع من "الرقابة الذاتية" لدى الصحفيين، فتجد أغلبهم ينأون عن الكتابة في بعض المواضيع "الحساسة" مثل (الحكم ونظامه، والجيش، والدين ورجالاته، وبعض الشخصيات النافذة في المجتمعات).

وعند ظهور جائحة كوفيد-19 في مطلع العام 2020، ولجوء العديد من الدول في العالم للإغلاقات، واجهت الصحفيين العديد من العراقيل الجديدة المتمثلة بالحصول على المعلومات والتصاريح التي تخول الصحفي من التحرك بحرية بهدف الوصول للمعلومة، وظهور مصطلح "التباعد الاجتماعي" الذي حال دون وجود ممثل عن كل جهة إعلامية، فنرى المؤتمرات الصحفية الحكومية تحدد عدد الإعلاميين الموجودين على أرض الواقع داخل مقر المؤتمر، وهنا يتجلى دور السلطة في إصدار التصاريح الخاصة بالإعلاميين، فتعلن عن سياسات التصاريح التي تمنح بعض المؤسسات تصاريح لصحافييها، أو ضرورة حصول الصحفي على عضوية النقابة للحصول على التصاريح، مما يعيد إلى الظهور أزمة الصحفيين مع نقابتهم والحصول على عضويتها.

ونرى آثار الجائحة متجلية على حرية الإعلام في العالم العربي، وذلك حسب التصنيف العالمي لحرية الصحافة والصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود للعام 2021، حيث يظهر التقرير أن العمل الصحفي عُرقل كلياً أو جزئياً في 73% من البلدان التي تم تقييم وضعها، كما أظهر التقرير الحاجة الى المهنية والتعددية الصحفية اللتان تجعلان من الممكن مواجهة المعلومات المضللة و"الأوبئة المعلوماتية" -أي التدليس ونشر الإشاعات-، التي ظهرت مع ظهور الجائحة، حيث سلط التقرير الضوء على المؤشر المقلق الذي يتمثل في عدم ثقة المواطنين بوسائل الإعلام، وفي هذا الصدد؛ يؤكد كريستوف ديلوار، الأمين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود، أن "الصحافة هي أفضل لقاح ضد التضليل الإعلامي".

كما أشار التقرير إلى انعدام توافر البيئة المواتية للعمل الصحفي، فمن أصل البلدان الـ 180 التي يشملها، أصبحت 12 دولة فقط قادرة على توفيرها، وهو ما يمثل 7٪ فقط من إجمالي دول العالم.

وليس غريباً أن تجد البلدان العربية طريقها إلى تذيّل هذا التصنيف، فنجد بلداً مثل الأردن الذي تتغنى حكوماته بحرية الصحافة فيه، يقبع في المركز 129 من أصل 180، حيث تجد الصحافة الأردنية نفسها عالقة بين مطرقة الرقابة الذاتية وسندان الخطوط الحمراء التي ترسمها السلطات، فمن الشائع أن تظل بعض المقالات والتقارير في رفوف قسم التدقيق دون أن ترى النور، بينما تواجه أحياناً أخرى "سيف" التحرير مما يبقيها بعيدة عن الأنظار، فقد عزّزت السلطات رقابتها خاصة على الإنترنت، حيث أغلقت مئات المواقع منذ 2013 وكان الداعي في أغلب الحالات عدم الحصول على ترخيص، ومنذ اعتماد قانون الجرائم الإلكترونية، سنة 2015، أصبح من الممكن أن يؤدي إصدار جرائد إلكترونية أو منشورات صحفيين على شبكات التواصل الاجتماعي إلى الاعتقال في حال المتابعة القضائية، كما أنّ أوامر هيئة الإعلام القاضية بالتزام الصمت والامتناع عن التغطية في بعض الحالات من شأنها أن تقوض القدرة على فتح نقاشات عامة وتحد من وصول الصحفيين إلى المعلومات المتعلقة بالقضايا الحساسة التي تستأثر باهتمام الرأي العام، وفي ذكرى اليوم العالمي لحرية الصحافة، قامت السلطات الأردنية بتوقيف الصحفي فادي العمرو، ناشر موقع إخباري إلكتروني على خلفية قضية جرائم إلكترونية.

وفي بلد مثل مصر حيث تعد "أم الصحافة في العالم العربي" كانت قد أصدرت أول صحيفة في العالم العربي في العام 1828، احتلت الترتيب 166، فقد أصبحت أحد أكبر السجون في العالم بالنسبة للصحفيين، حيث تتوالى حملات الاعتقالات والمتابعات على نحو مستمر، علماً أن بعض الصحفيين يقضون سنوات في الحبس الاحتياطي دون أية تهمة أو حتى المثول أمام محكمة، بينما يُحكم على آخرين بالسجن لمدد طويلة تصل إلى المؤبد في إطار محاكمات جائرة.

وفي سوريا التي ارتفع مؤشر حرية الصحافة فيها بشكل غير متوقع لهذا العام نقطة واحدة حيث أتت في المركز 173، تئن الصحافة فيها تحت أهوال الحرب، حيث لا يزال الصحفيون معرضين للخطر بشكل مهول، وهم الذين يجازفون بحياتهم من أجل التموقع في الصفوف الأمامية لتغطية عمليات القصف، وتكتفي وسائل الإعلام بنقل الأنباء الصادرة عن وكالة الأنباء الحكومية، مما يعني أن لا صوت يعلو فوق صوت الخطاب الرسمي.

ويبين الشكل التالي ترتيب الدول العربية حسب التصنيف العالمي لحرية الصحافة:

 

وهنا لا بد من الإشارة إلى الحاجة الملحة المتمثلة وصون حرية الصحافة والإعلام بصفتها السلطة الرابعة، وعلى الحق في الوصول للمعلومة، وانسيابية المعلومة وتدفقها من مصادرها الموثوقة، وعلى الحكومات الإيمان بدور الإعلام كركيزة أساسية لخلق مجتمع واع لحاضره ومستقبله، فوسائل الإعلام تساهم عن طريق تقاسم المعرفة في تحقيق الوحدة الاجتماعية.