عبد الهادي الركب يكتب: "مضافة جدودنا" وطن مصغّر للاجئي الزعتري

على مقربة من وطنهم الأم، يجتمع “أبو بيان” البالغ من العمر ستة وخمسين عامًا، وهو لاجئ سوري يعيش داخل حدود مخيم الزعتري للاجئين السوريين الواقع شمال شرق الأردن، بأترابه الذين فرقتهم الحرب، في واحد من مراكز الخدمة المجتمعية الذي أسموه “مضافة جدودنا” ربما لمشاركة ما تبقى لديهم من ذكريات جاؤوا بها من وطنهم في حقيبة اللجوء.

يلتقي أولئك الرجال في ذاك المركز الذي أسسته منظمة “بلومونت” الشريك التنفيذي للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، قبل ثلاثة أعوام، بسبب "حاجة اللاجئين الماسة لمكان يجتمع به سكان المخيم"، كما أوضح محمد الطاهر لموقع “هنا صوتك”، وهو مسؤول العلاقات الخارجية للمفوضية السامية في مخيم الزعتري.

الطاهر أوضح السبب لتأسيس ذاك المركز الذي يعد واحدًا من ثمانية وخمسين مركزًا محليًا تم تأسيسه لخدمة اللاجئين، "أنه عند عقد الاجتماعات الدورية مع السكان تبينت رغبة كبار السن في إيجاد مكان لقضاء الأوقات مع بعضهم البعض، ومن منطلق أن الإنسان أدرى بحاجته، تمت الاستجابة لذلك".

لم يقتصر دور المضافة على كونها مكانًا للاجتماع، بل كانت فلكًا تدور به أفكار أولئك الرجال، عبر مشاركة قصصهم مع الشباب الذين يتوافدون لنهل الحكمة من أفواه الكبار، حيث من المعروف جدًا في الثقافة العربية أهمية “المضافات” في تكوين الثقافة الشعبية من السير والقصص والأساطير التي يتم تداولها. وإنه من الملفت جداً كما يقول رواد هذا المركز تواجد عدد من الصبية والشباب في هكذا جلسات، لما نراه اليوم من انشغال الجيل بمغريات العصر بما يوفره الإنترنت من محتوى وألعاب إلكترونية قد تشغلهم عن حضور مثلها.

إنّ المطّلع على التكوينة الديموغرافية للشعب السوري يمكنه ملاحظة حجم التنوع في ذلك، حيث تزخر الأراضي السورية ببيئات عديدة تتميز كل منها بأمور كثيرة قد تنعكس إيجابًا في إثراء الأحاديث التي يمكن مشاركتها. هناك من أتى من شمال شرق سوريا حيث البادية السورية المتأثرة بالثقافة العراقية لقربهما الشديد وما يحمله هذا القرب من عادات وتقاليد تكاد تختلف كليًّا عن من أتى من حلب القريبة من الحدود التركية على سبيل المثال، لنكون بالمحصلة أمام لوحة متنوعة بأطيافها ومكوناتها تجعل من هذه المضافة وطنًا مصغّرًا لضيوف يملكون الكثير لمشاركته.

يتحدث “أبو بيان” عن توافر عنصر التسلية لمن يرغب، عبر الألعاب الشعبية التي كبروا معها كطاولة الزهر والبرسيس والشطرنج، إلى جانب عرض للأمثال الشعبية وتأويلات هذه الأمثال المتعددة بسبب التنوع الكبير للبيئات السورية هناك. حيث يقضي العديد من الناس أوقاتًا في اللعب للهرب من مشاكل الحياة ومنغصاتها.

 

إغلاق كورونا الخانق للحياة

“كان ملجأ لنا نهرب إليه كل يوم”. بهذه الكلمات عبّر “أبو بيان” عن تأثره وأصدقائه بالإغلاق الذي طال المركز بسبب إجراءات الوقاية التي فرضتها الحكومة الأردنية في المخيمات. كعادته، الفايروس الذي لم يترك شيئًا لم يلقِ سطوته عليه، حتى بات شبحه يطارد آخر ما تبقى من مصادر الترفيه داخل أسوار المخيم، ليجعل  هذه المضافة محبوسة الأنفاس حتى يومنا هذا.

إدارة مراكز الخدمة المجتمعية تتلقى تساؤلات يومية من اللاجئين عن موعد إعادة فتحها، إلا إنه لا موعد واضح لذلك، بسبب ارتباط الأمر بالحالة الوبائية لفيروس كورونا في المخيم. ويبقى اللاجئون على أمل الاستفادة من هذه المراكز، وإن كان أملهم معلقًا بفايروس كورونا الذي لا يتوانى عن تقديمه المفاجآت يومًا تلو الآخر.

لا تخلو يومياتهم من المشكلات بحكم معيشتهم داخل المخيم، فهناك تفاصيل يومية كثيرة يتشاركونها أثناء اجتماعهم في المضافة، وربما يصل بهم الحال للبحث عن حلول لتلك المشكلات ورفعها إلى إدارة المخيم.

يتحدث أبو بيان عمّا تعنيه لهم هذه المضافة "إنّ هذا المكان أصبح جزء من حياتنا، أزوره بعد صلاة الظهر لأرى أصحابي وأشاركهم كل همومي وأخباري".

ولعل أهم ما يؤرّق البال هو إغلاق المدارس والتحول لعملية التعلم عن بعد حسبما أوضح أحد روّاد المركز، فهناك رغبة كبيرة من الأهالي في العودة للتعلم الوجاهي؛ بسبب الصعوبات الكبيرة التي واجهت الطلبة في هذه التجربة، بدأت من عدم توافر أجهزة ذكية تتناسب مع عدد الطلبة في البيت الواحد، لتنتهي عند صعوبات الوصول إلى الإنترنت في المخيم.