محمد شما يكتب: الخصوصية حق تجب حمايته.. لنبدأ من هنا

لا أنتمي إلى تلك المجموعة التي تحرص كثيرًا على خصوصيتها لكني لا أكون مرتاحًا باستخدام تطبيقات على هاتفي الذكي دون تدقيقٍ في مقدار الأمان فيها، وإن كانت أقل أمانًا وأكثر اختراقًا فإني أحاول أن لا أبقيها على هاتفي وإن فشلت أحاول من تقليل استخدامها قدر الإمكان.

أشعر أني متُابع وثمة أحد يراقب نقاشاتي وتواصلي مع الآخرين، وهو شعور ليس مبالغًا فيه عندما تكون في منطقة تعطي الشرعية لاختراق الحسابات بحجة التحقيق أو حتى بدون حجة بمجرد مصادرة ما تملكه في يوم ما.

حماية خصوصيتي ليست مهمة شاقة كما كنت أعتقد، لكنها تحتاج إلى مزيد من التركيز والتدقيق، وأن تراقب نفسك وتكون أقل عفوية وأكثر تدقيقًا تجاه حساباتك ونشاطاتك على الإنترنت، وإن كنتُ لا أنتمي إلى أولئك الذين يحدثّون أرقامهم السرية على الدوام. 

أن تثق بغيرك ليس قرارًا حكيمًا تمامًا، على الأقل افتراضيًا، وهي ثقة لا داعي لها خاصة مع تطبيقات متجددة دائمًا وفضاء افتراضي آخذ بالتمدد، وسلطات ودول مستعرة في سباقها نحو قوننة التدخل والاختراق، وانتهاك الخصوصية.

مع انشغالاتنا في الحياة، نصبح أقل اهتمامًا بالتفاصيل وأكثر تشكيكًا في مع من نتعامل، وداخل مجتمع الإنترنت، نعيش حياتنا الافتراضية، تتوسع فيها دائرة المعارف والاصدقاء ونصبح متاحين أكثر مقابل غياب التواصل الإنساني.

وتواصلنا الافتراضي يفرض علينا مسؤولية أساسية من حيث كوننا جاهزين لأدوات الأمان من رقم سري دائم التحديث وصعب التفكيك، وإعدادات محكمة للحماية والأمان.

يجددون "الباسوردات" أو كلمات السر الخاصة بتلفوناتهم وإيميلاتهم على الدوام، أولئك الأشخاص الخائفون على أمنهم. يتتبعون مستجدات التطبيقات والعثرات التي قد تطال أمنهم، يعيشون دومًا في مساحات افتراضية لا تمثل عامة الناس. عامة الناس، لا ينتمون لتلك الأقلية، هم لا ينظرون إلى أمنهم الخاص، بقدر اهتمامهم بملاحقة احتياجاتهم الأساسية في الحياة خاصة في ظل جائحة كورونا المستجد التي فرضت نمطًا جديدًا صعب تغييره في الوقت الراهن.       

حماية حقنا في الخصوصية هي مسؤولية الدولة، وواجبها ضمانه، لكن ذلك يكون في دولة غير موجودة في عالمنا، لذا وجب الاستيقاظ، فجميعنا عليه مسؤولية صون وضمان خصوصيته خاصة أمام قوانين تنتهكها بحجة المصلحة العامة.

هل تعرضت لهجمات إلكترونية؟ سؤال طرحته على من قابلتهم، ربما كان ساذجًا، ثم عدت وسألتهم في حال تعرض هاتفك وبياناتك لسرقة، ماذا ستفعل؟

"لا شيء مهم، أو سأتصل بالشرطة". إجابتان سمعتهما عدة مرات، لكن التعقيب المباشر مفاده أمر لا ينبغي القلق عليه أكثر. ربما عدم الاكتراث واللامبالاة لدى البعض، لكنه ليس كذلك عند البعض الآخر.           

رسائل قصيرة وردت لكثيرين على تطبيق واتساب مفادها أن التطبيق لن يعود آمنًا، والنقطة الأساسية عندما أعلن القائمون على التطبيق بأن سياسة خصوصية جديدة كادت أن تُطبق تتعلق بالخصوصية واستخدام البيانات، وكان قد أعُلن عنها في شهر كانون الثاني/يناير الماضي.

شركة فيس بوك كانت قد أعلنت عن سياسة ربط واتساب بمواقع أخرى مثل فيسبوك وإنستغرام كجزء من سياساتها، لكنها، واجهت عاصفة من الانتقادات ولم تستمر في مسعاها.

ما هو التطبيق الأكثر أمانًا؟ حسنًا في هذه المدونة لن نجيب على هذا السؤال ولن نقول أكثر مما يذكره خبراء الأمن بأن تحصّن نفسك أولًا وقبل كل شيء، مع قراءة سياسة التطبيق الذي تريد وقبل تنزيله مع جعله متاحًا داخل بياناتك الخاصة. ولا تشارك معلوماتك الخاصة، وكن بخيلًا في الفضاء الافتراضي وجدّد كلمة السر دومًا مع تنويع بين الأحرف والأرقام والرموز، وابتعد عن اسمك وتاريخ ميلادك ابتداءً.   

حديثنا يستند على مبدأ احمِ نفسك. لكن الأمر بالنسبة للشابة غنى ليس بالكبير، تقول لي "الكل متاح على الواتساب، وهو منتشر بين الناس كثيرًا". يقتضي عمل غنى التواصل الدائم مع زملائها عن بُعد، وتواصلها معهم في مجموعات مختلفة عبر ذات التطبيق، ولا يؤرقها جانب الخصوصية طالما أنها تتجنب أمورها الشخصية فيه.

صديقتها سيرين غير مرتاحة إلى تطبيق واتساب الأكثر انتشارًا بين الناس لذا قامت بتنزيل تطبيقات أخرى بديلة مثل تيليغرام وسغنال، لكنها لا تستطيع الاستغناء عن واتساب، "صراحة عيلتي ما زالوا على الواتساب، صعب أتركه".       

بينما الشابة هلا قامت بتنزيل تطبيق سغنال على أمل اعتماده كتطبيق بديل لها ولعائلتها ودائرتها الاجتماعية، لكنها لم تستطع التخلي عن واتساب. ولديها قناعة بأن: "لا شيء آمن، ليس فقط التطبيقات وإنما الهاتف ذاته معرض للاختراق والسرقات".  

أما الصحفية سلام، فلم تستطع التخلي عن التطبيق رغم قناعتها بأنه غير آمن أيضًا لكن وجود الأصدقاء والعائلة صعّب هذه المهمة عليها.  

وعلى النقيض، يبدي الشاب وائل اهتمامًا بأمانه الرقمي ويجّدد  كلمات السر لكل حساباته وهاتفه من فترة إلى أخرى. يقول لي أنه لا يثق بأحد وأنه معرض لأي ابتزاز، "لا استخدم واتساب منذ عام تقريبًا والعديد من الأصدقاء عليه، أما عائلتي فأكتفي بالاتصالات معهم رغم انزعاج أمي وأبي من ذلك وتقليلهم دائمًا للمخاطر التي أتحدث عنها".   

الخصوصية حق تجب حمايته، وعلى الدول ضمان حماية وصون خصوصيات أفرادها، لكن في الأنظمة القمعية ليس مستغربًا سن أنظمة وقوانين من شأنها شرعنة انتهاك خصوصية الأفراد والولوج إلى مساحاتهم الافتراضية الخاصة لأجل تقصي المعلومات عنهم وتحديدًا المعارضين أو الناشطين والصحفيين. 

يقول سالم وهو محامٍ ممارس، أن اختراق خصوصيات الناس يرتبط بثقافة تفصل بين الرجال والنساء، فعندما تكون الضحية فتاة وقع اختراق لهاتفها وسرقة بياناتها، ستصبح قضية تتداخل فيها مفاهيم مجتمعية من قبيل الشرف والثأر منه إلى جريمة رقمية تنطبق عليها الأحكام والأنظمة وربما قد تمتنع الأسرة التي لها قرارها على الفتاة عن تقديمها شكوى وذلك تجنبًا لما قد تعتبره فضيحة".

ثقافة متجذرة بين الناس يمكن تغييرها وفي ظل انتشار الهواتف الذكية في السنوات الأخيرة ومع النمط الجديد الذي فرضته الجائحة، أصبحت الكثير من الأشغال تعتمد على العمل عن بعد وكذلك التعليم، ما يفرض نظامًا أكثر أمانًا يحمي خصوصيات الناس والمساحات الخاصة بهم بالتزامن مع رفع وعي العامة بأهمية الحماية الرقمية والتحقق من أي تطبيق على هواتفهم الذكية.   

والسياق الذي يتخوف منه كثيرون لا يخص دولة أو كيانًا بعينه إنما دول العالم أجمع، وهنا أبدى المقرر الخاص المعني بالحق في الخصوصية جوزيف كناتاشي تخوفه من التدابير التي تتخذها الدول تجاه مكافحة كوفيد-19 وبالتزامن معه تدابير "تدخلية" في الخصوصية؛ من رقابة وملاحقة.

يظهر تقرير المقرر الخاص الصادر في تموز/يوليو 2020 الجوانب التي على الدول توخيها في سياق محاربتها للفيروس وعدم المساس بحقوق الأفراد وحماية خصوصياتهم وبياناتهم. وإذا ما قررت دولة ما أن المراقبة التكنولوجية ضرورية كاستجابة للوباء، فيجب عليها التأكد من أنه ثمة تدبير محدد مناسب، ويجب أن يشتمل القانون على ضمانات، وإذا لم يتم توضيحها بتفاصيل كافية، فلا يمكن اعتباره مناسبًا بموجب القانون الدولي.

دولٌ تستخدم هواتف الأفراد ضدهم أثناء التحقيقات الجنائية، "إن خصائص الهاتف المحمول التي تجعله مستودعًا خاصًا للبيانات الشخصية، تجعله أيضًا الأداة الأكثر وضوحًا التي يمكنها أن تقوض بشكل كامل وفعّال الحق في الصمت[...]". يقول المقرر الخاص كناتاشي في تصريح نشره على موقع الأمم المتحدة.  

شخصيًا، ما زلت محتفظًا بالعديد من التطبيقات والتي بعضها جدليّ، لكني أحدد استخدامها بالحد الأدنى عملًا بمبدأ أن تكون بخيلًا إلكترونيًا وكريمًا وجاهيًا.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- سياسة خصوصية واتساب https://www.whatsapp.com/legal/updates/privacy-policy/?lang=ar

2- Right to privacy Note by the Secretary-General https://undocs.org/A/75/147

3- The fundamental human right to privacy does not depend on the passport in your pocket https://www.ohchr.org/en/NewsEvents/Pages/DisplayNews.aspx?NewsID=20747&LangID=E