محمد شما يكتب: تقييد تدفق المعلومات يقصي الأصوات الحرة

غياب انسيابية المعلومات وعدم توفرها واحتكارها وعدم إتاحتها للصحفيين, من أبرز الانتهاكات التي واجهها صحفيون وعاملون في قطاع الإعلام في الأردن خلال العام الماضي 2020. تلك الانتهاكات لا تخص الصحفيين وحدهم بقدر مساسها بالجمهور وتحديدًا من حيث حقهم بالمعرفة، والإفصاح والشفافية.

انتفاء هذا الحق يعني غياب الشفافية ووقوع الأخطاء دون رقابة وبالتالي انتشار الفساد، وهذه وصفة لا يمكن إيقافها إلا بجعل المعلومات متاحة وغير محتكرة ومتداولة بين الجمهور، ودعم جهود الصحفيين في التقصي والتحقق.  

مع بداية الجائحة ولجوء دول العالم إلى الحظر ما بين شامل وجزئي، كان الأردن من بين الدول التي لجأت إلى خيار الحظر الشامل الذي شلّ حركة تنقل الناس، لكن الدولة ممثلة بـهيئة الإعلام منحت تصاريح تنقل لبعض القطاعات الحيوية التي لا يمكن إغلاقها ومن بينها تصاريح تنقل "مقيدة" نسبيًا  للصحفيين العاملين في المؤسسات الاعلامية المختلفة ما بين ورقية، وإلكترونية، وإذاعات وتلفزيونات.

منح التصاريح لوسائل الإعلام، حرم العشرات من الصحفيين الذين لا يتبعون وسائل إعلام بعينها من الحصول عليها، فهم يعملون بالقطعة أي "فريلانس" ولذا لم يتمكنوا من العمل بحرية، وكانت حركتهم مقيدة وبالتالي حدت من فرص عملهم لاحقًا. ولم تولِ الحكومة للموضوع أهمية ولا حتى نقابة الصحفيين المتشبثة دومًا بمن هو مقيّد في سجلاتها من عدمه.

ينتقد مركز حماية وحرية الصحفيين  في تقرير له أصدره أواخر العام الماضي، قانون الدفاع وأوامره والإجراءات الحكومية اللاحقة التي أدت إلى الحد من تدفق معلومات متنوعة ومتعددة المصادر للإعلاميين والجمهور.

تعرضت حركة الصحفيين للتقييد، وباستثناء من حصلوا على تصاريح مرور، فإن البقية تعذر عليهم التنقل، وهذا الأمر انسحب على توقف الحكومة بما فيها وزير الدولة لشؤون الإعلام عن عقد مؤتمرات صحفية لتغطيتها.

كنتيجة لذلك، تحول المؤتمر اليومي لوزيري الإعلام والصحة، إلى المصدر الحكومي الوحيد لمرور المعلومات للصحفيين، إن كانت تتعلق بفيروس “كورونا”، أو الممارسات والسياسات الحكومية حيال الإغلاقات التي أضرت بكثير من القطاعات نظرًا لغياب التخطيط لآليات تنظيم القطاعات لحصر انتشار الفيروس.

صحفيون مستقلون يعملون على تحقيقات معمقة تضرروا بفعل عدم تمكين المؤسسات الحكومية لهم من الحصول على المعلومات/البيانات المطلوبة، بل وأغلقت الأبواب أمامهم، إما لكونهم غير أعضاء في نقابة الصحفيين أو بسبب "نحن منشغلون في مكافحة الفيروس" وبالتالي يُوصد الباب أمامهم ولا بدائل متوفرة لديهم، ما يحجب الفرصة أمام تحقيقات هامة للجمهور. 

في محاولة للقضاء على المعلومات المضللة أثناء جائحة كوفيد-19، صدر مرسوم ملكي رقم 8 يحظر: "نشر أو إعادة نشر أو تداول أي أخبار عن الوباء من أجل ترويع الناس أو إثارة الذعر بينهم"،  وتم القبض على عدد من الصحفيين والنشطاء ومحاكمتهم وسجنهم بسبب أنشطتهم على الإنترنت، كعقاب لهم، وفق تقرير المنظمة الدولية "بيت الحرية". 

يصف تقرير مركز "حماية الصحفيين" واقع أن مركزية تدفق المعلومات عرقلت عمل الصحفيين وأن أمر قانون الدفاع (8) الذي تناول تغليظ العقوبات على من يُتهم بترويج الشائعات شكل ضغطًا غير مسبوق على وسائل الإعلام، ودفعها للتريث قبل نشرها أي معلومة، خاصة فيما يناقض معلومات أجهزة الدولة حول الحالة الوبائية ومعدل الإصابات على سبيل المثال.

مُلزمة الحكومات بحماية الحق في حرية التعبير، بما في ذلك الحق في التماس واستلام ونشر جميع أنواع المعلومات، بغض النظر عن أيّة حدود، تذكّر منظمة "هيومان رايتش ووتش" حكومات الدول في معرض دعوتها لها باحترام حقوق الإنسان خلال مجابهتها الجائحة، فمن غير المسموح استغلال سياق مكافحة الوباء وتقييد حرية الوصول إلى المعلومات أمام الجمهور من صحفيين والجمهور بالعموم.

فيما قالت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إنّ "توفير التعليم وإتاحة الحصول على المعلومات المتعلقة بالمشاكل الصحية الرئيسية في المجتمع، بما في ذلك طرق الوقاية والمكافحة"، هي "التزامات ذات أولوية".

والاستجابة لفيروس كورونا بطريقة تحترم الحقوق يجب أن تضمن وجود معلومات دقيقة وحديثة حول الفيروس، والوصول إلى الخدمات، وانقطاع الخدمات، والجوانب الأخرى المتعلقة بالاستجابة لتفشي الفيروس، وأن تكون هذه المعلومات متاحة بسهولة للجميع وفق اللجنة الأممية.

نداء أطلقه مجموعة من الخبراء الدوليين في آذار/مارس العام 2020 يدعو دول العالم لضرورة عدم استغلال الجائحة لقمع المعارضة، وإسكات الأصوات الحرة، والإعلام. كما أوصوا بضرورة أن توفر الحكومات الحقيقة بشأن طبيعة الفيروس والمعلومات الموثوقة بطريقة سهلة التركيز مع حماية الصحفيين ومجابهة  التضليل بالمعلومات وليس مجابهة الإعلام.   

بعيدًا عن المطالب والدعوات، على حكومات الدول ضمان إتاحة المعلومات وتدفقها أمام الجمهور، غير ذلك سيبقى التهميش والإقصاء  فعلًا ممنهجًا أمام الإعلام الحر والصحفيين المستقلين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر:

*احترموا الحقوق في الاستجابة لـ"فيروس كورونا" توصيات للحكومات في التصدي للجائحة، Human Rights Watch:  https://www.hrw.org/ar/news/2020/03/19/339655

*أمر دفاع رقــــم (8) لسنة 2020 صادر بمقتضى قانون الدفاع رقم 13 لسنة 1992: http://www.pm.gov.jo/upload/files/Order-Defense-8.pdf

*صفحة اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التابعة للأمم المتحدة Committee on Economic, Social and Cultural Rights : https://www.ohchr.org/ar/hrbodies/cescr/pages/cescrindex.aspx

*الأبعاد الحقوقية في الاستجابة لفيروس "كورونا" المستجد، منظمة Human Rights Watch: https://www.hrw.org/ar/news/2020/03/19/339654#B4

*تقرير "حالة حرية الإعلام خلال جائحة كورونا.. تحت الحظر"، مركز حماية وحرية الصحفيين CDFJ: https://cdfj.org/wp-content/uploads/2020/06/Media-Freedom-Status-in-Jordan-During-COVID-19.pdf

*خبراء دوليون يدعون الحكومات إلى تعزيز وحماية الوصول إلى المعلومات أثناء جائحة فيروس كورونا:  https://news.un.org/ar/story/2020/03/1051662

*مقياس الأردن، بيت الحرية Freedom House:

https://freedomhouse.org/country/jordan/freedom-net/2020#A