عبد الله الجبور يكتب: الشباب الأردني وإشكاليات الاندماج السياسي

يصادف شهر آذار/مارس القادم، الذكرى المئوية على تأسيس الدولة الأردنية الحديثة، حيث قامت العشائر والقوى السياسية بالتنازل عن جزء من سلطتها لصالح تأسيس دولة مؤسسات حديثة، يحكمها القانون والعدل، وتكون لها الصفة الاعتبارية الخاصة، وأن تنهج المسار القومي الديمقراطي العربي، في الوقت الذي كان الحكم، ينتهج العرف اللامركزي، من خلال عشرة مجالس، تأسست بين عامي: (1880- 1920)، كانت مسؤولة عن معظم نواحي الحياة، في مقدمتها التعليم وتأسيس المدارس.

 في عام 1928 تجسدت الخطوة الأولى من خلال تأسيس المجلس التشريعي الأول، الذي بدأ معه مسار التحول الديمقراطي الأول، والذي توقف في نيسان/أبريل (1957) نتيجة فرض الأحكام العرفيَّة، حيث تجمَّد قانون الأحزاب السياسيَّة في الأردن، وبدأت ملاحقة المعارضة التي لجأت إلى النشاط السياسي السري، وتلاشت بذلك التّنظيمات الطلابيَّة التي انتقلت للنمو والتشكُّل خارج الأردن، وبعد مضي 32 عامًا، تحديدًا في نيسان/أبريل (1989)؛ أعلنت الدولة بشكل رسمي انتهاء العمل بالأحكام العرفية، وعودة الحياة السياسيَّة الحزبيَّة، ومعها بدأت تتشكَّل النقابات ومنظمات المجتمع المدنيّ الأهلية، وبدأت فصول طويلة من وعود الإصلاح السياسي والتجدد الديمقراطي التي لم تحقق المطلوب منها طيلة الفترة السابقة رغم تعديل التشريعات الناظمة للعمل السياسي والحزبي، ورغم محاولات الفصل بين السلطات، ومأسسة العملية الانتخابية بطريقة مستقلة، ومع دخول الأردن عقده الرابع في مسيرة التحول الديمقراطي الثاني؛ إلا أن مخرجات الإنجاز الديمقراطي بقيت تراوح مكانها، وفي بعض الأماكن تراجعت.

 

الشباب وجدوى العمل الحزبي

بالرغم من التشجيع الحكومي الموسمي للشباب على المشاركة السياسية للانخراط في العمل الحزبي، إلا أن الشباب لا يجد جدوى ملموسة في عملية الانتظام السياسي وفق الوضع السياسي القائم، ويفضل نهج التأطير خارج نطاق المؤسسة الحزبية التي يجد فيها انعكاسًا للثقافة البيروقراطية، حيث تفتقر الكثير من الأحزاب إلى خطاب سياسي جديد، وينتابها الجمود في نمط القيادة، بالإضافة إلى ابتعادها عن البرامج المرتبطة بالتحديات التي تواجه الشباب اليوم، والهموم التي تواجهه، في مقدمتها تحدي البطالة غير المسبوق، وتحدي التردي الاقتصادي، وضعف القدرة على إحداث تغيير سياسي في المشهد العام.

تشكل الذاكرة الجمعية للعمل الحزبي في الأردن خلال فترة الأحكام العرفية؛ حاجزًا سيكولوجيًا أمام فاعلية الجيل الجديد في المشاركة والانتظام السياسي، حيث لا تزال الأسرة التي عايشت فترة ملاحقة الحزبيين تحذّر أبنائها من العمل الحزبي والابتعاد عنه قدر الإمكان، خصوصًا في مرحلة التعليم الجامعي، الأمر الذي يجعلنا نتوقف أمام سؤال: ما هي الجهة التي تقوم بدور التنمية والتثقيف السياسي؟ ونجد الإجابة تحمل عنوان "تنمية سياسية مضطربة"، حيث تحاول مؤسسات المجتمع المدني ملء هذا الفراغ والقيام بدور المربي السياسي والمعلم الديمقراطي، في ظل غياب دور مؤسسات الدولة عن القيام بدورها الطبيعي في التنمية السياسية، ولأن هذه الجهود غير منتظمة، تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى المراجعة والتقييم من قبل المتخصصين وأصحاب المصلحة، وأن تقوم الدولة بتسهيل جهود برامج التنمية السياسية خصوصًا تلك التي تعمل على بناء قدرات الشباب والمرأة.

 

العلاقة بين الشباب والدولة

تتسع الفجوة بين الشباب والدولة مع مرور الوقت، ويزداد وينمو في مخيلة الجيل شعور اللاجدوى في علاقة الفرد التشاركية بالمؤسسة العامة، ويعود ذلك إلى مجموعة عوامل ساهمت بشكل مباشر وغير مباشر في الوصول إلى عدمية الثقة التي يعتبرها الشباب عدمية متبادلة بينه وبين المؤسسة العامة، بسبب سوء العلاقة وعدم المقدرة على الوفاء بالالتزامات وتراكم الوعود المتعلقة بالإصلاح  السياسي، الأمر الذي أوصل الشباب إلى نتيجة مهمة، تتلخص في أن مؤسسات الدولة، لا تثق بقدرات الشباب، لذلك يتغير الخطاب وتنتقل الأولويات بشكل متسارع إلى الهامش، ويتم التعامل مع الشباب على أنه طاقة اجتماعية كبيرة يجب تفريغها.

 

إصلاح اقتصادي أم سياسي؟

من بين المعززات لحالة عدم ثقة الشباب بالمؤسسات العامة؛ عملية تبديل الأولويات المفاجئة من قبل الدولة بين الاقتصادي والسياسي، حيث يصبح اهتمام الدولة أكبر بالإصلاح السياسي عندما يكون الإقليم في حالة اضطراب سياسي ويشهد احتجاجات شعبية، ويهمل هذا الاتجاه في حالات السكون، لتعود أولوية الإصلاح الاقتصادي وتتقدم، ويبدأ مسلسل معالجة العجز، وأزمة الديون والاستثمار.

هناك اتجاه، يجد في الإصلاح الاقتصادي أولوية أردنية، ستحقق في وقت لاحق إصلاحًا سياسيًا، وهناك اتجاه يجد في الإصلاح السياسي أولوية لخلق بيئة آمنة للإصلاحات الاقتصادية، وفي تشخيص الأولويات، نجد من الأهمية بمكان توازي الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ذات الوقت، ولكن في الحالة الأردنية؛ هناك تأخر كبير في ملف الإصلاح السياسي الذي يجب أن يمنح صفة الاستعجال، أو أن يتصدّر أولوية الأولويات، لأن النظام السياسي القوي، المتوازن، المرن، في ظل دولة فتية؛ ينتج عنه سياسيات اقتصادية واجتماعية مثمرة ومستدامة، حاضنة لجهود الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، بالتالي لا بد من استدراك الفجوة السياسية والديمقراطية.

 

الاحتجاج ومستقبل الانتقال إلى الديمقراطية

سيبقى الاحتجاج، الأداة الأولى بالنسبة للشباب في التعبير عن آرائه وأفكاره وتطلعاته فيما يتعلق بالشأن السياسي، لأن غياب مساحات الحوار السياسي في ظل فوضى العقد الاجتماعي، وتداخل العمل بين السلطات؛ يؤثر بشكل سلبي على العقد الضمني بين الدولة والمجتمع، وهو العقد الذي يشكل مرجعية الصالح العام في المجتمع الديمقراطي، بالتالي، لا بد من الانتقال الحيوي والمستدام نحو الديمقراطية كونها خيار التغيير الإيجابي الوحيد لمستقبل مجتمع تحاصره الأزمات.