رفعت محمد يكتب: العنف الرمزي.. جمر تحت رماد الحرب

انقضى عقد من الزمن، والملايين من  الشعوب العربية تكتوي بنار الحرب،  وطغت فيه رائحة الموت ولونه على كل الروائح والألوان، وتحولت اللغة وكلماتها من وسيلة للتعبير عن الجمال، إلى شكل من أشكال العنف الذي بات يتهدد كيانات المجتمعات وتماسكها، وأحدث صدعًا في بنيتها وتركيبتها الفسيفسائية، واصطبغت مفردات اللغة بألوان قاتمة، انعكاسًا لما يعتمل في النفوس من غضب وألم وحزن.

 

العنف اللفظي.. أشكاله وعوامل ظهوره

تشكل الأيديولوجيات المفروضة قسرًا، والمسلّمات السائدة مع تحريم مناقشتها، شكلًا من أشكال العنف الرمزي، يضاف إليها السب والقذف، والعنف الذهني، ولعل أخطر ما في هذا النوع من العنف، خلافًا للعنف الفيزيائي الذي يكون بإلحاق الأذى بالآخرين جسديًّا وماديًّا، أنه عنف يمارس عبر الوسائل الرمزية المتعلقة بالتواصل وتلقين المعرفة، وأحيانًا من خلال مناهج التعليم والمرويّات التاريخية التي تحفل بسير الأبطال، وهو ما يدفعنا لتبني تعريف عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بأنه "عبارة عن عنف لطيف وعذب، وغير محسوس، وهو غير مرئي بالنسبة لضحاياه أنفسهم”. وهو فرض المعاني الذي يمارسه الفاعلون الاجتماعيون من كاهن وقديس، وداعية، ومدرّس، ونفساني وغيرهم.

والعنف الرمزي بقدرته على التغلغل عميقًا في بنية المجتمع وفرض هيمنته من خلال اعتماده على اللغة يعد أكثر خطرًا على الفرد والمجتمع، بما يمتلكه من قدرة على تحويل اللغة من وسيلة للتواصل والتعبير عن الهوية،  إلى محرض على التفرقة والشقاق، لاسيما أن سبل العنف في أوقات كثيرة وتحت تأثير ظروف معينة، مثل الحروب أو انتشار الفقر، تكون أكثر إغراء من اعتماد اللغة وسيلة للمعرفة وزيادة أواصر المحبة بين مكونات المجتمع المتعددة، خاصة أن للشتائم حيّزًا كبيرًا في الموروث الثقافي الشفوي للشعوب، سواء استخدمت من قبل أشخاص محددين أم لا، لكنها تبقى كامنة وتحضر في مواقف الغضب حينًا، وتصاعد حالة العداء حينًا آخر،  وغالبًا ما تستخدم بهدف الإهانة، وتتفاوت نسبة حضورها بين البلدان والمجتمعات، وكذلك تتنوع بين تلك المتعلّقة بالأديان ورموزها والذات الإلهية، أو الشتائم الجنسية.

 

العنف الرمزي.. جمر تحت الرماد

العنف ظاهرة اجتماعية بالأساس، على اعتبار أنها إشكالية لا تحمل طابعًا أكاديميًا فقط، وإنما سياسيًا أيضًا، ففيها تتقاطع وتنعكس أكثر المواضيع السياسية حدة في السياسة والاقتصاد والأخلاق والقانون والتاريخ وعلم النفس والموازين العالمية والثورة العلمية والتكنولوجية، وإن أي فهم لظاهرة العنف يجب أن يتم في إطار سياقه وإطاره الاجتماعي، حيث إن التربية والثقافة والعلاقات الاجتماعية تلعب دورًا مهمًا في جعل بعض الأفراد والشعوب أكثر ميلًا إلى استخدام العنف من غيرهم.

ويمكن للعنف الرمزي أن يسود متنكرًا بلبوس القيم التي تحمل في ظاهرها معاني تتعلق بالوطنية أو البطولة أو الالتزام الديني، بينما في جوهرها تحمل بذرة العدم، ودمار المجتمع وتفككه. وأي مواجهة لهذا النوع من العنف بعنف مضاد، تزيد من تغوله، وتحوله إلى ثقافة سائدة ومسلمات تصعب مع الوقت معرفة جذورها، كمحاولة لتفكيكها وإحلال قيم أخلاقية نافعة، تعيد للغة دورها الأساسي في توحيد المجتمع بدلًا من تفريقه، وهي التي شكلت على مر العصور عامل جمع لا تفريق. ونلفت هنا إلى دور المؤسسات الحاكمة والأنظمة في تسويق بعض المصطلحات وضخها عبر الأجيال ما شكّل التربة الخصبة لنمو هذا النوع من العنف، مثل قيم التضحية والجهاد المقدس ضد الآخر والانتماء الوطني، وهو ما  أوصلنا إلى  نتائج مأساوية، كما لعب الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والعولمة دورًا مهمًا في  تحويل ظاهرة العنف إلى ممارسة شاملة ومستترة.

 

دور وسائل الإعلام الجديدة في تكريس العنف اللفظي

إن لوسائل الإعلام بمختلف أشكالها دورًا بارزًا في المنظومة الاجتماعية، كما أن لها دورًا محوريًّا في تكريس ظاهرة العنف اللفظي، ليس كشريك فقط، وإنما كمسؤول عنها كذلك. بمعنى أن وسائل الإعلام لا تقوم فقط بتغطية أخبار العنف، أو تناوله إعلاميًا، إنما تسهم في بلورته من خلال تشكيل صور وتكريس ممارسات تساهم في نشر ثقافة العنف لدى متلقي الرسالة الإعلامية. وهذا ما يتجلى بصورة واضحة أكثر في وسائل الإعلام الجديدة، رغم قلة الاهتمام بالربط بين العنف وهذا النمط الاتصالي الجديد، الذي أخذ العنف عبره أشكالًا أوسع تدخلًا في إطار العنف الرمزي بكافة تجلياته. وفي إطار استخدام وسائل الإعلام الجديدة، تأخذ الشبكات الاجتماعية ومواقع التواصل الاجتماعي، النصيب الأكبر من انشغال الشباب واستخداماته، وتعد منابر حرة لإبداء الرأي ومناقشة القضايا بحرية بالغة، ومن هنا يمكن اعتبارها فضاء يعبر عن سلوك الشباب وأنماط تفكيرهم، ومعيارًا لممارستهم العنف بكافة تجلياته عبرها.

لقد كسرت وسائل الإعلام الجديدة وصاية الإعلام التقليدي، وأعادت هيكلة مفهوم الاتصال بتقريبه من معناه الاجتماعي أكثر من معناه المؤسساتي، ومع التنوع الذي وفرته هذه الوسائل فإنها سمحت للفرد بالانعتاق من القيود الفيزيائية، ومنحته حرية التعبير، في فضاء لغوي رحب، سواء للمطالبة بالحقوق المهضومة، أو التعبير عن رفض الواقع المعاش، أو رد الاعتبار تجاه ظلم لحق به، لكنها في الوقت ذاته باتت منبرًا للعنف اللفظي، الذي يتجلى في عدد من الممارسات خلال هذه الوسائل، ومنها مثلا النكت العنصرية، أو نشر الشائعات مع ما تحمله من آثار خطيرة،  أو تكريس بعض الصور النمطية في المجتمع مثل احتقار المرأة أو تسليعها، ولعل الأخطر في كل ذلك ما نقرأه على صفحات التواصل من كلمات بذيئة وعبارات نابية، باتت تنتشر بصورة خارج السيطرة بسبب عدم وجود رقابة أو سلطة رادعة، وتكمن خطورتها أكثر في تقبل ظهورها أو تداولها عند شريحة واسعة، وهو ما يهدد بتحولها إلى ألفاظ مقبولة في مجتمعاتنا مع الوقت، وهو ما يصطلح على تسميته في الدراسات الإعلامية "إضعاف الحساسية ضد الممنوعات الثقافية".

 

غياب الرادع الأخلاقي والقانوني تربة خصبة للعنف الرمزي

إنّ غياب قدرة الدولة على أداء مهمتها الأساسية في توفير الحماية والأمن لمواطنيها، دليل على وجود خلل بنيوي، يسهم في سيادة الفوضى التي ينتفي معها تأمين أي شكل من أشكال الحياة الطبيعية المتعلقة بالأمن والرفاه والحياة في ظل حكم القانون، فيفقد المجتمع  الشعور بمعنى وجوده في غياب آليات رادعة للعنف، ويحدث خلل ثقافي تغذي فيه الكيانات الداخلية العنف وتحوله إلى نمط وسلوك مجتمعي عبر التغاضي عنه، بل وتشكل حاضنة له من أجل تحقيق مصالح خاصة أو ذاتية، ونتيجة غياب الرادع الأخلاقي حينًا، أو تملك أحد الأفرقاء حالة من الغضب، تطفو إلى السطح ألفاظ كانت مدفونة، أو ممنوعة قانونًا أو عرفًا، وقد يسوق أحد طرفي الخلاف الطرف الآخر إلى اللجوء لهذا الاستعمال، مدفوعًا برغبة في التعبير عن غضبه بطريقة مماثلة لتلك التي يستخدمها المقابل له. وهنا يجب التنبيه إلى أن السعي لإهانة الرأي الآخر  فيه الكثير من التعظيم للتفاهة والتعويم للبذاءة والعنصرية، وما يرافق ذلك من إهمال متعمد لكل قضية هامة تخص المجتمع والدولة والمستقبل، فتسود تعبيرات البلطجة والهجوم العنصري والشخصي، سعيًا لاغتيال الشخصية ضمن آلية ممنهجة، ولإبعاد الناس عن المجال العام وإخفاء الحقائق، وهو ما جعل العنف اللفظي بسوقيته وتنمره انعكاسًا لسعي الكثير من الأنظمة العربية لتغطية فشلها، وتعبيرًا عن محدودية تعامل النظام العربي مع الاختلاف، وتجسيدًا لموقفه من الحريات وضيق صدره بالرأي النقدي.

 

سيادة العنف الرمزي في غياب المنظومة التعليمية والأخلاقية

إن تراجع المنظومة التعليمية، وانتشار الفقر، وغياب الوعي النقدي، يسهم في تغذية خطاب العنف، فيسود فهم مغلوط لمفهوم القوة التي أضحت مرتبطة ارتباطًا كليًا بإضعاف الآخر تمهيدًا لسحقه، والاستقواء بالكم والعدد وسطوة النفوذ، وهو ما يظهر جليًا في ممارسات السلطة ضد المعارضة، أو في السائد على مستوى التجمعات العرقية أو الدينية، وعلى مستوى النخب التي ترى نفسها فوق الجميع في نظرة استعلاء تشي بقناعات مريضة.

إن الاحتقان النفسي، وهو من أشد العوامل تأثيرًا على تفاقم العنف في مجتمع يعاني أساسًا من الحرمان، تعززه سطوة فئات نفعية سعت بجميع الوسائل، للاستحواذ على أكبر قدر من المكاسب عن طريق أقصر الطرق؛ ولو اقتضى الأمر التضحية بكافة القيم الإنسانية، وللإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي دور مهم في ذلك، عبر عرض نماذج من الرفاهية والبذخ، لا يمكن توفيرها للجميع. وفي ظل غياب عملية تثقيف منهجية تعمل على مقاومة هذا السلوك انتشر العنف في المدارس والجامعات وفاقمه الإحساس بمصادرة حق الشخص الأكثر كفاءة على المستوى المعرفي والمهني، لصالح أشخاص يتمتعون بعلاقات جيدة مع أصحاب القرار، وهو ما أنتج نظامًا متحيّزًا  قائمًا على التقسيم والمحسوبية، غابت فيه ثقافة الاحتكام للقانون، وتحول دور المؤسسات التشريعية إلى رعاية هذا التشوه المجتمعي وتجاهله.

 

العنف انتفاء حيز الكلام

يحاول بعض ممارسي العنف تبريره بأنه جزء من طبيعة الإنسان، وهو التفاف على حقيقة راسخة بامتلاك الإنسان الوعي بخطورة أفعاله، وقدرة العقل على مقاومة الشر بسيادة القانون، وعلى فطرة الإنسان ككائن اجتماعي يميل إلى الائتلاف مع باقي البشر عبر اللغة والكلام،  ألم يقل جان مولر "إن العنف هو انتفاء حيز الكلام"؟!!

 

وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي كمحرّض على العنف

لقد تسللت إلى لغة التواصل بين جيل من الشباب مصطلحات تبريرية للعنف، أسهمت وسائل الإعلام في تسويقها وتكريسها، ما أدى إلى استساغة القتل، بل شرعنته أحيانًا، تسويقًا لتبرئة النفس وإدانة الآخر، وصولًا إلى سيادة ثقافة الموت، وهو أمر يعقد الوصول إلى حل للأزمات المتراكمة، بدلًا من البحث عن مشترك لبناء حوار بناء، يقوم على التمسك باللغة أداة للتقارب لا التباعد، وتأسيس أرضية مشتركة للانطلاق نحو بناء دولة تضم مكونات تعددية مختلفة، لا يعمل أحدها على إلغاء الآخر أو تهميشه، أو الانتقاص من حقوقه.