رفعت محمد يكتب: التغيير الديمغرافي وقود الحرب السورية

"كنت أعمل حارسًا ليليًا في إحدى المنشآت في المدينة الصناعية، وحين عدت صباح الثاني عشر من آذار/مارس 2012 إلى حارتي في كرم الزيتون، رأيت من بعيد جنودًا على طرف الشارع، منعني توجسي من الاقتراب، وذهبت إلى بيت شقيقتي في العدوية، على أمل العودة ظهرًا، كنت أظنها حملة تفتيش وتنتهي. حين وصلت كانت الأخبار السيئة بانتظاري، لقد ارتكبت قوات النظام مجزرة بحق سكان الحي، وأعدمت العشرات، ومن يومها لم أر زوجتي وأطفالي، أو حتى منزلي". بكلمات ممزوجة بالدموع يروي (م. البارودي) حكايته في منزله بالعاصمة الأردنية عمان، التي وصلها بعد أسبوع من المجزرة، في رحلة لجوء محفوفة بالمخاطر؛ ليبدأ حياته وحيدًا ومحرومًا من معرفة مصير عائلته ومنزله، حتى بعد تسع سنوات من فقدهم.

قصة (م. البارودي) تشبه عشرات القصص لأبناء الحي الذي شهد مجزرة بحق أهله، قضى فيها العشرات من النساء والأطفال والرجال، لتقوم قوات النظام لاحقًا بتفريغ الحي ممن بقي من سكانه، وإحلال عائلات بدل عنهم، وفق ما وثقته منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير لها.

تحظر المادة (49) من اتفاقية “جنيف” الرابعة لعام 1949 النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص، أو نفيهم من مناطق سكنهم إلى أراضٍ أخرى، إلا في حال أن يكون هذا في صالحهم بهدف تجنيبهم مخاطر النزاعات المسلحة، كما ورد في المادة (7/د) من نظام روما الأساسي لـ”محكمة الجنايات الدولية” أن “إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجيّ موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين يشكل جريمة ضد الإنسانية". وهو ما يؤكده المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، بسام الأحمد، مشددًا على أنه لا يمكن الحديث عن حالات إبعاد شرعية في سوريا، حتى إذا عزتها بعض الأطراف لضرورات عسكرية، لأنه لا يتوفر فيها شرطا أن تكون الخطورة “واضحة”، والفترة التي يتم خلالها إجلاء المدنيين إلى أماكن آمنة “محددة” يجري بعدها إعادتهم إلى مناطق سكنهم الأصلية. مشيرًا إلى أن هذه الظروف غير متوفرة في السياق العسكري السوري، لأن جميع الأطراف تقوم باستهداف المدنيين، والهدف من وراء عمليات الإبعاد هو إحداث تغييرات ديموغرافية. ولفت الأحمد إلى أن حق عودة السكان إلى مناطقهم التي هُجروا منها يجب أن يكون “أولوية”، وهو ما لم يحدث في معظم حالات التهجير السورية خلال فترة النزاع، لأن الطرف العسكري كما في حالات النزاعات يعمد إلى “شيطنة” فئات، ومدن ومجتمعات كاملة.

إن التغيير الديمغرافي في الحالة السورية بشكل خطرًا مضاعفًا باعتباره جزءًا من الجهد الخارجي الذي يعبث في أرض سوريا ويمزّق أسس قيامها الاجتماعي الذي هو أكبر مرتكزات استقرارها، وبات يشكل الوجه المتحوّل للحدث السوري، أو محاولة لاستثمار الثورة بعد أن جرى تحويلها إلى أزمة من قبل نظام الأسد وحلفائه ومختلف القوى المتصارعة على الأرض، عبر تحويلها إلى فرصة لصناعة واقع ديمغرافي جديد في سوريا يشكل ركيزة لمشروع جيوسياسي إقليمي في المنطقة. مع الإشارة هنا إلى أبعاد التنوع داخل سوريا لأنه أمر مهم وحقيقة شاخصة، ولأن ثمة جهود كثيرة تحاول استغلاله في غير صالح السوريين. والمشهد اليوم يشير إلى تنامي هويات فرعية متأزمة في أرض سوريا مثل الهوية الكردية والهوية العلوية، وإن كانتا تختلفان في طبيعتهما اختلافًا كبيرًا. وتبرز إلى جانبهما هويات أخرى مثل هوية المسيحيين والتركمان، والهوية السنية العربية. ولقد أدت سياسات الأسد الابن إلى انهيار التوازنات المجتمعية التي أسس لها الأسد الأب، لتتبلور تدريجيًا معالم أزمة ديمغرافية ناجمة عن عوامل عدة. ومع انزلاق البلاد تدريجيًا إلى حرب مفتوحة مع انخراط إقليمي ودولي مباشر في الساحة السورية. كان من الطبيعي أن تحدث عمليات تغيير ديمغرافية، بعضها طبيعي بفعل حالات النزوح والهجرة، وبعضها الآخر تغييرٌ ممنهج يمارسه المنخرطون في الصراع بهدف إحداث أمر واقع يتم من خلال التهجير والإبادة والإحلال السكاني. ورغم غياب الإحصاءات عن التغير الكبير الذي أصاب تركيبة البلاد القومية والطائفية، فإن ذلك لا ينفي حدوث انزياحات سكّانية واسعة النطاق.

 

التغيير الديمغرافي من قبل النظام السوري وحلفائه (إيران وروسيا)

في دراسة بعنوان التغيير الديمغرافي والطريق إلى سوريا المفيدة، يرى الكاتب والمحلل السياسي غازي دحمان أن التغيير الديمغرافي في سوريا كان تطبيقًا لخيار اتخذه نظام الأسد في إطار تقديره للممكنات في مواجهة الثورة، حيث ارتأت الجهات المسؤولة عن إدارة الأزمة في حينه إفراغ الحواضن الثورية، وخاصة المناطق العشوائية والأرياف، وهو ما بدأه بتفريغ بعض المناطق مثل جبلة وبانياس، مستخدمًا المجازر، لتمتد بعد ذلك إلى بعض أحياء حمص، كبابا عمرو، وباب السباع، والخالدية، والبياضة، والسلطانية وكرم الزيتون.

 

التدخل الإيراني

لم يتأخر دخول إيران على خط عملية التطهير في سوريا، خاصة وأن لديها تجربة عميقة في العراق نفذتها ميليشياتها في بغداد وضواحيها باستخدام أساليب العنف بمختلف أشكاله، ومع بدء حملة حزب الله وقوات النظام على مدينة القصير في 2013، بدأت مرحلة جديدة انتقلت فيها سياسة التهجير إلى العقد الإستراتيجية الواقعة ضمن ما سمي بـسوريا المفيدة. وتطورت عمليات التغيير الديمغرافي كأداة من أدوات الإستراتيجية الإيرانية في سوريا لتحقيق هدفين رئيسين هما: تمكين وجود النظام في الشريط الواصل بين دمشق والساحل باعتباره مركز الثقل السياسي، وتمكين حزب الله في لبنان من خلال تشكيل منطقة عازلة على الحدود اللبنانية السورية. كما برزت  دمشق بمكانتها الدينية كجوهرة للمشروع الإيراني، فبدأت طهران بتفريغ أحياء كبيرة فيها من سكانها، عبر أساليب الترهيب والترغيب. واستغلال الأوضاع المادية الصعبة للسكان والقيام بشراء المنازل والعقارات من أصحابها. وفي تصريح له من داريا ادعى الرئيس السوري، بشار الأسد، أن التغيير الديمغرافي يتغير عبر الأجيال لافتًا إلى أن ذلك يستند إلى مصالح المواطنين في تلك المناطق. واستغلت إيران وجود  العائلات الشيعية في قلب دمشق، في أحياء الشاغور وزين العابدين والميدان والعمارة، لشراء العقارات بكثافة أو الاستيلاء عليها بعد تهجير الغالبية من سكانها وإحراق بعض المحلات التجارية بغرض وضع اليد عليها، والعمل على إقامة مشاريع عمرانية كبيرة في مناطق كفرسوسة والمزة، بعد إجبار النظام على إصدار المراسيم اللازمة والتي تنطوي في ظاهرها على تطوير مخطّط دمشق العمراني، كإجراءات بديلة لاستبعاد السكان الأصليين. كما عمد حزب الله بموجب اتفاقيات أَجبر عليها مقاتلي المعارضة إلى إجراء عمليات تطهير علنية وصريحة، بمبادلة سكان الزبداني في ريف دمشق مع شيعة كفريا والفوعة في ريف إدلب. لقد اتبعت إيران، ونظام الأسد، جملة من الوسائل لتحويل وجودها إلى أمر واقع يصعب تغييره في المستقبل، منها التدمير الممنهج للمناطق المستهدفة بما يجعل الحياة فيها أو إعادة بنائها مستحيلًا، وبالتالي ضمان عدم عودة أبنائها، وتفكيك المجتمعات المحلية وإضعاف قدرتها على الصمود والبقاء، من خلال عمليات الحصار وإطالة أمد الحرب وتعقيد الحل السياسي.

 

التدخل الروسي

اتبعت روسيا نفس الوسائل التي اتبعتها إيران لكن بعنف أكبر تستطيع تأمينه من خلال شرعنة وجودها العسكري. وبدأت تمارس التطهير العرقي بهدف تأمين وجودها. وقد بدا واضحًا التركيز على الغلاف السكاني لمناطق تجمع الأقليات في سوريا، أرياف حماة الغربية وحمص الشمالية، وعمليات التطهير للأقلية التركمانية في جبل الأكراد في اللاذقية، وأشرفت روسيا على بعض الهدن بين الثوار وقوات النظام، والتي انتهت في الغالب إلى عمليات تطهير ديمغرافي في مناطق إستراتيجية مهمة، كما حصل في اتفاقية التهجير لسكان حي الوعر الحمصي المحاصر. ولا تخفي روسيا موقفها في سوريا والقاضي بإضعاف المكون الأكثري. وعمدت روسيا إلى دعم النظام في جعل منطقة إدلب التي تقع خارج سيطرته، بمثابة منطقة لتجميع العناصر الرافضة للتصالح مع نظام الأسد والتي يجري إخراجها من مناطقها وذلك كحل مؤقت لهذه العناصر وإخراجها من دائرة الصراع إلى حين.

 

عمليات التغيير الديمغرافي من قبل داعش

مارس تنظيم داعش الإرهابي انتهاكات عدة بحق المدنيين شملت إعدامات ميدانية واعتقالات، وفرض دورات شرعية وفروض استتابة على السكان المحليين، والأخطر من ذلك كله معسكرات تجنيد للأطفال، وسرقة المنازل والممتلكات الخاصة، وعلى خلاف ما تعرض له المسيحيون والإيزيديون من انتهاكات التنظيم في الموصل، فإن الأقليات في سورية لم تواجه المصير ذاته، لنزوح معظمهم قبل وصول التنظيم إلى مناطقهم. وتركزت ممارسات داعش على نقاط المقاومة التي اعترضت تقدمه كما حصل في الشحيل وريف دير الزور الشرقي، والشعيطات، وغيرها. حيث وجّه التنظيم تهمًا بالخيانة لعشرات الآلاف بهدف تهجيرهم من مناطقهم والاستيلاء على بيوتهم، وتركّزت انتهاكاته ضد المكوّنات المحلية على أطراف مناطق سيطرته، وضمنها كرد جنوب محافظة الحسكة، وشمال محافظة الرقة، وشمال شرق محافظة حلب. حيث قام التنظيم بجرائم تهجير بحق المدنيين الكرد في تل براك وقرى تل أبيض في محافظة الحسكة، كما أصدر التنظيم قرارًا قضى بخروج الكرد من محافظة الرقة بعد استيلائه عليها بتهمة مساندة التحالف الدولي. وحرق التنظيم منازل المدنيين في قرى (كورك، وجل أوغلي) في ريف جرابلس ما دفع السكان للنزوح باتجاه كوباني والحدود التركية.

 

عمليات التغيير الديمغرافي من قبل الاتحاد الديموقراطي الكردي

تشير تقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية ومرصد حقوق الإنسان والشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى قيام وحدات الحماية الشعبية بحملات تهجير في ريفي تل أبيض، وتل حميس طالت عددًا كبيرًا من القرى والبلدات مثل (عبدي كوي، وسلوك، ورنين، والفسطاط، وغيرها). وأظهرت صور للأقمار الصناعية هدم وجرف منازل المدنيين فيها. وقد تحفظ حزب الاتحاد الديموقراطي على الأدلة التي سيقت في التقارير، وحاول تبرير هذه العمليات تحت بند الأعمال العسكرية ضد تنظيم داعش. وفي الوقت الذي تصر فيه الإدارة الذاتية على رفض هذه التهم جملة وتفصيلاً ثمّة ما يشير إلى أن تنفيذها جاء انتقامًا ممن افترضتهم حاضنة اجتماعية لداعش، بما يضفي على هذه الممارسات طابع العقاب الجماعي بما يخالف أحكام القانون الإنساني الدولي. كما أن غياب آليات المحاسبة والرقابة يبقي الخوف من قيامه باستخدام ورقة التغيير الديموغرافي مشروعًا، خصوصًا وقد صرّح رئيس الحزب صالح مسلم في بداية الثورة "أن على العرب الذين استوطنوا أرضنا الرحيل". كما شهدت منطقة الخابور سياسة مشابهة في نزع سلاح ميليشيا Sootoro الآشورية، وكذلك مدينة الحسكة في طرد مليشيا الدفاع الوطني الموالية للنظام رغم تعايشها مع الإدارة الذاتية. تفيد القراءة السابقة لتحركات وحدات الحماية الشعبية بتبنيها سياسة تغليب قوتها في حيزها الحيوي وأن التهجير القسري لبعض القرى والبلدات العربية والتركمانية جاء نتيجة لهذه السياسات وليست بالضرورة سياسة قائمة بحد ذاتها.

عمليات التغيير الديمغرافي من قبل تركيا وفصائل الجيش الوطني السوري

اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش فصائل "الجيش الوطني السوري"، وهي جماعات مسلحة سورية تدعمها تركيا لتنفيذ أجندتها في شمال شرق سوريا، بتنفيذ إعدامات خارج القانون بحق المدنيين وعدم تقديم تفسير لاختفاء عمال إغاثة أثناء عملهم في "المنطقة الآمنة".  كما منعت هذه الجماعات المسلحة عودة العائلات الكردية النازحة جرّاء العمليات العسكرية التركية، ونهبت ممتلكاتها واستولت عليها أو احتلتها بصورة غير قانونية، خاصة في مناطق عفرين وتل أبيض، بعد اجتياح تركيا لتلك المناطق في عمليتي غصن الزيتون ونبع السلام. وهما عمليتان لاقتا إدانة واسعة من المجتمع الدولي. كما وجه النظام اتهامات متكررة لتلك الفصائل بممارسة التغيير الديمغرافي في المناطق التي سيطرت عليها، وممارسة عمليات عدائية بحق الأقليات وممارسة الترهيب ضدها مثلما حصل في معرة مصرين وفي الغوطة الشرقية وفي إدلب المدينة، وتهجير السكان في مناطق معلولا وعدرا العمالية في ريف دمشق، كفريا والفوعة في إدلب، نبل والزهراء في حلب، محردة وتل سكين وجورين وشطحة في حماة، جب الأحمر وكسب وصلنفة في اللاذقية، ربلة والغسانية وصدد في حمص، نامر ومعربة في درعا.

 

ما هي السبل لمنع عمليات التغيير الديمغرافي؟

تشير التغييرات الديموغرافية إلى وجود خلل في العقد الاجتماعي، وتحييده عن الدور الذي يفترض أن يقوم به بصيانة الهوية الجامعة، وهو ما جعل البعد الديموغرافي للصراع من أهم مسببات استمراره وإذكاء النعرات الطائفية والقومية في المنطقة.  وبما أن أكثر عمليات التغيير الديمغرافي نتجت عن عمليات عسكرية فإن الأولوية في ردعها تكون بوقف القتال وتجنيب المدنيين عواقب النزوح والحد من تضرر المدنيين، وكذلك إدراج بند عودة اللاجئين والنازحين الطوعية لأماكن إقامتهم الأصلية في جميع الاتفاقات والتسويات السياسية المحلية وعلى المستوى الوطني تحت مراقبة ومسؤولية الأمم المتحدة، ووضع حد لعمليات بيع العقارات لهذا الغرض، وإبطال ما تم منها سواء بالترهيب أو بالتزوير.