رفعت محمد يكتب: الإعلام وتعزيز الخطاب الطائفي خلال الحرب السورية

لم يكن خالد.ح يتوقع حتى في أسوأ كوابيسه قبل 2012 أن يعود إلى المنزل الذي قضى فيه عامين مستأجرًا غرفة خلال دراسته الثانوية، حاملًا هذه  المرة رشاشًا ليجبر أصحاب البيت الذين أكرموه على إخلائه،  يقول: "خلال اجتماع مجموعتنا التي يقودها الشيخ مروان طُلب منا الإغارة على قرية جب الجراح وتصفية من نجده من أهلها ، وكانت هذه أصعب مهمة يمكن تكليفي يها، فقد عشت في القرية سنوات ودرست فيها وكذلك الكثير من أهل عشيرتي، ومنهم من كان في المجموعة معي، لكن الشيخ أفهمنا أن المعركة باتت معركة حياة أو موت، مذكرًا إيانا بما حدث في أحياء البياضة وديربعلبة، حيث يعيش الكثير من أقاربنا الذين قتلهم النظام وشبيحته بدم بارد، كانت وجوه أصدقائي والعائلة التي اعتنت بي أمامي طوال الطريق لتنفيذ المهمة، وحين وصلنا كان أغلب سكان القرية قد غادروها، إذ بدا أن أحدًا أخبرهم بنبأ الهجوم، وباغتنا شبان القرية في كمين كانوا جهزوه، وقتلوا منا كثيرين. انتابتني مشاعر مختلطة بعد فشل الهجوم بين الفرح لعدم اضطراراي لقتل من نشأت معهم، والحزن الممزوج بغضب لمقتل أصدقاء لي وأبناء عمومة". يتابع خالد: "بعد تلك الليلة تخمر في رأسي قرار الانسحاب، أو تغيير مجموعتي والانتقال إلى بابا عمرو في مدينة حمص فهناك شعور الذنب سيكون أخف حين اضطر لقتل من باتوا أعدائي. وبالفعل انتقلت إلى هناك وحاربت في صفوف الجيش الحر لأكثر من عام قبل أن نضطر للانسحاب تحت وطأة القصف العنيف للنظام، وبعد أشهر كان قراري بالتوقف قد قادني إلى حدود الأردن، حيث دخلت كلاجئ، ومذاك وأنا أحاول نسيان ما حصل وما رأيته من مشاهد لا تنسى، لقد قسونا بحق أنفسنا ظنًا منا أن البلد لا يتسع إلا لأحدنا".

تجسد قصة خالد نجاح النظام السوري في الخطة التي أعدّها سلفًا لمواجهة الثورة، بالاستفادة مما جرى في تونس ومصر وليبيا، وقوامها تشويه هذه الثورة استنادًا إلى نقطتين أساسيتين هما: العنف والطائفية، ومزيجهما شديد الفعالية: العنف الطائفي. واستطاع إعلام النظام من خلال حديثه عن وجود عناصر أجنبية ومتآمرين يقومون بأعمال قتل وترهيب إحداث بلبلة بين الناس، وهو ما أدى واقعيًا إلى حوادث قتل جراء طغيان الشك بكل حركة وكل شخص.

 

الطائفية.. مفهومها وأدوارها

عادة ما تفسّر الطائفية، بكونها انتصار التقاليد على الحداثة، أو تعبيرًا عن مشاعر بدائية أو كره تاريخي ما بين المجتمعات، كما الحال بين الشيعة والسنة في العراق، والبحرين ولبنان، أو العلويين والسنَّة في سوريا، أو الأقباط والسنَّة في مصر. ويرى المفكر سلامة كيلة أن الطائفية هي  "كل انغلاق ديني أو طائفي على أساس معتقدات موروثة ضد الآخر المختلف. يعني تحويل الاختلاف إلى تناقض. ولا شك في أن الاختلاف هو نتاج تناقض قديم، لكن ذاك التناقض كان له أسسه الاقتصادية والأيديولوجية، وبالتالي كان تناقضًا طبقيًا سياسيًا وأيديولوجيًا. لكنه تحوّل في الحالة السورية إلى تناقض ماهويّ لا علاقة له بالأيديولوجيا أو بالطبقات، وهنا يكمن الفرق بين الطائفية والتوظيف الطائفي".

ويتتبع المفكر عزمي بشارة في كتابه الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، التطوّر اللغوي والسوسيولوجي والتاريخيّ لمصطلح الطائفيّة الجديد تاريخيًا، ليميّز بينها وبين ظواهر تاريخية أخرى مثل المذهبية والفرقيَّة ويدرس ما يتعلق بها من مفاهيم أخرى؛ مثل الهوية والانتماء والاختلاف والتعصب، متوصلًا عبر منهجية مقارنة إلى اعتبار الطائفية مصطلحًا حديثًا في حين أنّ الطائفة لفظ قديم بدلالات مختلفة عن دلالات المصطلح المحددة المعاصرة،  وأكّد أنَّ ما يميز الطائفة الدينية هو أنّها جماعة هوية تميّز نفسها وتحدد الآخرين عبر الانتساب إلى العقيدة أو المذهب. وينوه بشارة إلى أن الطائفية هي التي تستدعي الطائفة من وعي الناس وتعيد إنتاجها ككيان متخيل في شروط تاريخية وسياسية حديثة، مشددًا على أن فشل الدولة الوطنية وعجزها عن دمج الجماعات على أساس المواطنة، في محيط إقليمي يتسم بالصراع، أديا إلى استثمار الهوية الطائفية في الصراع على الدولة، ليتطور لاحقًا إلى صراع على تاريخ البلاد ومشكلة "نحن" مقابل "هم".

 

هل يمكن وسم  الصراع السوري بالطائفية؟

اختزل العديد من الثوار في مستهل الثورة السورية النظام في جانب واحد منه وهو بعده الطائفي، وتم التركيز على "القشرة العَلوية" له دون البحث في دعاماته غير العنفية التي تشكّل أهم أسرار استمراره ومقاومته، وهو أمر دفع جمهور المتظاهرين في مستهل الثورة، إلى الترحيب بأي حضور عَلوي في معظم المناطق السورية، خاصة في حمص وحماة، وهو ترحيب خبا لاحقًا وتراجع بصورة ملحوظة بعد سيطرة الإسلاميين الجهاديين على تشكيلات المعارضة المسلحة، ليحل مكانه تشكيك في موقف المعارضين من العَلويين، والتقليل من  أهمية موقفهم السياسي أمام انتمائهم "العَلوي"، وهذا ما تجسد في اضطرار العديد من المعارضين للنظام للخروج من مناطق سيطرة المعارضة تحت التهديد بالقتل. وفي المقابل لجأ الكثير من العلويين إلى الوقوف في وجه الثورة ظنًا واعتقادًا بأنها تحمل أهدافًا خفية تتمثل بسيطرة المتشددين على الحكم، وبالتالي إجبارهم على الامتثال لقوانين وفتاوى قد تبيح دمهم في بعض الحالات، وهي مخاوف تسللت إلى مجموعات أخرى من الأقليات مثل المسيحيين، خاصة بعد الانتهاكات التي قام بها مقاتلون من المعارضة بحق أولئك، مثل ما فعل جيش الإسلام حين خطف عائلات علوية من مدينة عدرا العمالية ووضعهم في أقفاص على أسطح العمارات في الغوطة الشرقية ظنًا منه أن ذلك سيمنع النظام من قصف تلك المناطق. وقد أسهمت مثل هذه الأفعال في تعزيز فعل العنف الممارس من شبيحة النظام ضد البيئات الحاضنة للثورة، فارتكبوا مجازر بأساليب بشعة تنم عن حقد دفين، وإحساس بخطر وجودي.

 

وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في تكريس الخطاب الطائفي

منذ بداية الثورة، وقبل عسكرتها بصورة واضحة، حملت بعض الصفحات التي ظهرت على الفيسبوك بعدًا طائفيًا، لم يعره كثيرون الاهتمام، لكنه لعب دورًا مهمًا وبارزًا في إضفاء صبغة طائفية على الثورة، وهو أمر أراده النظام منذ البداية ليكون مسوغًا له في قمع الاحتجاجات ضده، مثل صفحة "ثورة أهل السنة في سوريا"،  التي نشرت للمشرف عليها "عبدالله التميمي" بيانًا طائفيًا، كما تفرّدت صفحة الثورة السورية ضد بشار الأسد، وهي صفحة ذات توجه إسلامي بتسمية أيام الجمع في مرحلة التظاهرات، فأطلقت على الجمعة التاسعة "جمعة الحرائر" وعلى الجمعة الثالثة عشرة "جمعة العشائر"، وأثار اختيارها للجمعة التالية اسم "جمعة الشيخ صالح العلي" جدلًا وانقسامًا في أوساط المتشددين ما دفعها لإضافة كلمة الشرفاء إلى الاسم، في مؤشر إلى  تعزز قوة الجناح اليميني الإسلامي الطائفي في الثورة، وهو ما قاد بدوره إلى تعزز مواقع المحافظين العلويين. والأمر ينسحب على عمل تنسيقيات الثورة، ففي مقابل تسمية أنصار الرئيس بشار الأسد لمدينة طرطوس بـ"طرطوس الأسدية" في أكثر من صفحة، أطلقت تنسيقيات شباب طرطوس اسم  "طرطوس العمرية" على صفحتهم.

في مقابل هذه المحاولات لإسباغ صفة الطائفية على الثورة، رفض جزء كبير من الحراك الثوري السوري الطائفية، وقاوم بشدة محاولات النظام والمتشددين الإسلاميين المتكررة إشعال نيرانها،  فبرزت شعارات كـ"جميعنا سوريون، جميعنا متحدون"، ورفع المتظاهرون يافطات تقول "لا للطائفية". بالإضافة إلى ذلك، قامت لجان التنسيق المحلية في سوريا، على الرغم من عدم امتلاكها  إعلامًا مركزيًا موحدًا بتنظيم حملة تحت شعار "طائفتي الحرية"، رفعت اللجان خلالها يافطات ترفض فيها الخطاب الطائفي، كما ترفض الممارسات الطائفية للنظام، ومحاولته جر الثورة الشعبية إلى فخ طائفي.

 

بين إعلام الثورة وإعلام النظام

وقع إعلام الثورة في الفخ الذي نصبه له النظام، ففقد مصداقيته وتوازنه وتدنى إلى مستوى إعلام النظام، بميله إلى الإنكار أو التبرير أكثر من ميله إلى الإدانة الصريحة لأعمال العنف التي شهدتها الثورة في بداياتها، خاصة تلك التي كانت شنيعة ومنفرة، وهو ما جعل النظام يحصد أكثر مما توقع، وكان أول اختبار لإعلام الثورة في حادثة المذبحة بحق 120 من عناصر فرع الأمن العسكري في جسر الشغور مع التمثيل بالجثث، فقد حاول بعض الناشطين وعبر بعض القنوات مثل العربية إلصاق التهمة بالنظام، بذريعة أن القتلى من عناصر النظام الذين انشقوا عن الجيش، وفي المقابل حرص النظام حينها على اصطحاب وكالات الأنباء والصحف العالمية والعربية لتغطية ذلك الحدث، رغم منعه سابقًا الصحفيين العالميين من دخول سورية بعد اندلاع الثورة، لإظهار الصور الفظيعة لأعمال التمثيل بالجثث. حادثة أخرى كانت صيدًا ثمينًا لإعلام النظام، إذ عرضت قناة الدنيا الموالية وبصورة متكررة  فيديو القتل الفظيع لـ"نضال جنّود"، دون مراعاة لأدنى معايير المهنية، ولمشاعر المُشاهد وأهل الضحية، وذلك بهدف خلق رد فعل مضاد للحراك،  وعززت الفيديو بإنتاج فيديوهات شحن عاطفي، تعرض مأساة عائلة الضحية،  خاصة صورة طفلته وهي تحمل صورة أبيها، وقد تم حذف فيديو القتل عن الشبكة بعد حملة التبليغات لما يحويه من عنف. كما استغل إعلام النظام الفيديو الذي انتشر على اليوتيوب في 2013، قبل أن يحذف لاحقًا، ويظهر فيه "أبو صقّار" أحد مقاتلي الجيش الحر، الذي بايع لاحقًا جبهة النصرة، وهو يلتهم قلب جندي سوري،  وتصريحاته لاحقًا بأنه غير نادم على ما فعله، فجعل النظام من هذا الحدث معنى الثورة وروحها، خاصة بعد الانتقادات الدولية له واعتباره جريمة حرب، مما عزز موقف النظام وكرّس لدى الكثيرين الصورة النمطية التي أراد النظام حصر الثورة بها، إلى درجة تم معها تناسي جرائم كثيرة ارتكبها النظام لا تقل وحشية ودموية؛ جرت في البيضا/ بانياس، وفي كرم الزيتون والحولة في حمص. كما عمد إعلام النظام السوري وبخبث، إلى استغلال بعض الحوادث الأمنية لتمرير رسائل طائفية، كالتركيز على إصابة كنيسة بقذيفة هاون مقابل التعتيم الكامل على هدم عشرات المساجد، أو جعل خبر تفجير في منطقة ذات غالبية مسيحية خبرًا رئيسيًا على مدار اليوم في مقابل اعتبار ضحايا مجزرة (ارتكبها الجيش بالقرب من تلك المنطقة) إرهابيين ومجرمين.

كما استطاع النظام لاحقًا تمرير خطابه الطائفي من دون أن يبدو ذلك مناقضًا لما يبديه من علمانية، عن طريق استعانته بإعلاميين لبنانيين اعتادوا الحديث بلغة طائفية من أمثال ناصر قنديل وجوزيف أبو فاضل وسالم زهران، لتبدو المسألة كأنها عفوية وخارجة عن إدارة الإعلام الرسمي، فصار من العادي أن نسمع على شاشة الفضائية السورية النائب اللبناني السابق وئام وهاب، مثلًا، هو يستخدم مصطلحات مثل: "نحن الدروز.. أنا كدرزي... درزيتي"، وهو خطابٌ كان ممنوعًا قبل ذلك في الإعلام الرسمي، لا بل صار المذيعون يحرِّضونهم على هذا الخطاب عبر طرح أسئلة ذات طابع طائفي، أو تفتح المجال للحديث بشكل طائفي محض.

لقد تناوب إعلام النظام والثورة على كيل الاتهامات، فوسم كلٌ منهما الآخر بسيل من الاتهامات، وابتعد كلاهما عن المهنية في سبيل تكريس وجهة نظره، واختلاق أحداث لدعم روايته، فبعد بثِّ فيديو عن "جهاد النكاح" في محاولة لتشويه صورة الثورة السورية وما تلا ذلك من انتقادات واسعة لها، بثت قناة أورينت الداعمة للثورة السورية، تقريرًا ادّعت القناة فيه أن مجموعة اسمها "صبايا العطاء" تستغل نشاطها الخيري لتقدّم خدمات جنسية للجنود الروس في سورية، دون أي دليل على ذلك سوى مقاطع من تقرير سابق عن نشاط المجموعة الخيري؛ جرى اجتزاء عبارات منه، ووضعها في سياقات رسمتها القناة سلفًا. ولم يكن هذا الفيديو أول عهد مجموعة أورينت نيوز بالخطاب الطائفي فقد سبقته وتلته عدة مقالات، بعضها لصاحب القناة غسان عبود، لا يتوانى فيها عن كيل الاتهامات لمكونات المجتمع السوري كالشراكس والمسيحيين بالتواطئ مع النظام في جرائمه. كما تمتلئ صفحته الشخصية على الفيسبوك بالمنشورات المغمّسة بالطائفية إلى حد تخوين الكثير من أبناء الثورة لمجرد انتماءاتهم الطائفية، واللافت إنهاؤها دائماً بعبارة: "سوريا حرّة"!!

 

الطائفية الإعلامية

تستند الطائفية الإعلامية بصورة أساسية إلى حالة من "ضعف الذاكرة الجمعية" عند المتلقين، إذ نرى مذيعين أو صحافيين صنعوا أسماءهم من نفاق أنظمة وزعماء لسنوات طويلة، وعندما قامت الثورة سارع هؤلاء إلى إعادة تقديم أنفسهم على أنهم من رموزها.  وعملت وسائل إعلام عربية كثيرة على إضفاء الصبغة الدينية على الثورة السورية، وتعمّدت تلميع بعض الشخصيات المعارضة الموتورة التي كذبت مرارًا وتكرارًا من دون أن يكون ذلك رادعًا لتكرار ظهورها، وغيّبت أخبار الحراك السلمي وحراك الأقليات، لصالح أخبار المعارك.

وفشلت الثورة في تكوين هيكل إعلامي ناضج يقدّم خطابًا وطنيًا، يبتعد عن الخطاب الطائفي والأدلجة السياسية الموجهة، فنشأت عشوائيات إعلامية لا مهنية، تكرس حالة الانقسام، وتفكك المجتمع السوري.  ويرى الباحث والأستاذ في جامعة لوزان في سويسرا جوزيف ضاهر أن النضال ضد الطائفية، هو جزء لا يتجزأ من النضال ضد النظام القائم، ويتطلّب فصلًا جذريًا عن الماضي، وعن السياسات الطائفية والعنصرية. وهذا يتطلب بالإضافة إلى مواجهة النظام، مواجهة العناصر التي تسعى من خلالها بعض الدول إلى قولبة الصراع القائم ضد النظام ليكون صراعًا طائفيًا، لتنجو هي بدورها من الموجات الثورية التي تجتاح العالم العربي. وعليه؛ يجب على الأصوات المسموعة إعلاميًا إدانة العنف والعنف المضاد بشكل يخلق بؤرة استقطاب سلمية ديمقراطية بعيدًا عن العنف والتمييز الطائفي، وعدم المضي في الإنكار أو الإحالة إلى مدى عنف النظام أو اتهام عملاء للنظام بالأعمال العنيفة ولصقها باسم الثوار.