جلال أبو صالح يكتب: الشباب العربي: الانعزالية والخوف والقلق!

قلقٌ كبير يصيب الشباب العربي، إزاء فهم القضايا والمشكلات والتغيرات التي تواجههم، في ظل أزمات متعددة ليس أولها القمع والبطالة ولا آخرها عدم استيعابهم في المجال العام.

وعلى اعتبار أن الشباب يشكلون النسبة الأكبر من سكان المنطقة العربية ويتطلعون إلى التعبير عن آرائهم وطرح مشاكلهم واقتراحاتهم للنهوض بالمجتمعات، فيما يخص العمل السياسي والتنمية وقضايا المجتمع والثقافة، إلا أنهم ما زالوا يصطدمون بجدار عدم إيلاء حكوماتهم اهتماماتها بقضاياهم وتطلعاتهم.

وفي تأكيد لحجم الوعي والثقافة والتطور لدى هذا الجيل، فلا بد لنا أن نسمع لهم ونفهم أولوياتهم، للمساهمة في تشكيل خارطة طريق واضحة للتعامل معهم، ما يسهل على صناع القرار وضع سياسات مفيدة وتقديم برامج نوعية لتمكين الشباب في مختلف البلاد العربية.

مؤخرًا، وفي مؤتمر رقمي حمل عنوان "أولويات الشباب العربي"، نظمه مركز الشباب العربي، في دولة الإمارات، للإعلان عن نتائج دراسة، شملت في مرحلتها الأولى 7,000 شاب وشابة من 21 دولة عربية ضمن الفئات العمرية بين 15 و34 سنة، تبين أن الأمن والسلامة في مقدمة أولويات الجيل الحالي من الشباب العربي بنسبة 73%، وهو ما يمثل وعيًا ناضجًا لدى هؤلاء الشباب.

حالة الشباب العربي، المطالب بالتغيير وفهم قضاياه، تبدو أكثر صعوبة اليوم في هذا الشرق المنكوب، ولا تبشر بخير، وتؤشر إلى مرحلة تترسخ فيها الانعزالية والخوف من المستقبل، فيما يسيطر عليها التشاؤم بعد أن غرقت منطقتنا وأمتنا في بحر من الدمار والكراهية والكوارث، وغياب العقل والرؤية عند الدول قبل الأفراد.

غير أن هذه المطالب، التي تعتبر حقوق مدنية للمواطن في كل الدول الحديثة، تبقى مجرد أحلام لا تتحقق على أرض الواقع بالنسبة لفئة عريضة جدًا من الشباب العربي، في ظل مجتمعات تعيش ظروفًا اجتماعية، فكرية وسياسية صعبة منذ عقود، وللأسف، تزداد صعوبة وتأزمًا اليوم.

تلك الأوضاع العامة للمجتمعات العربية تنعكس بشكل سلبي على وضعية الشباب، "فطبيعة الدولة العربية" تعتبر من أبرز مصادر الإحباط وفقدان الثقة بالنسبة لغالبية الشباب في هذه المجتمعات؛ لافتقارها لآليات العمل الديمقراطي ولمقومات الدولة المدنية الحديثة.

ولا يمكن تجاهل "رزمة" الشعارات والخطابات والبيانات التي تتحدث عن الشباب وأدوارهم وأهمية الرعاية والاهتمام بهم، ولكنها، مع الأسف، تكون في حقيقتها مجرد "كليشيهات" لا تقترن ببرامج ومشروعات تلبي احتياجاتهم وطموحاتهم وتساعدهم على تنمية استعداداتهم والأخذ بأيديهم نحو المستقبل.

في سياق متصل، فإن العديد من مؤسساتنا العربية، وبالأخص جامعاتنا، ما تزال تحذر الشباب من الانخراط في العمل الحزبي وتهددهم بكافة أنواع العقوبات إن فعلوا ذلك، ما جعلهم يحجمون عن العمل السياسي وبالأخص الحزبي.

بات لزاماً على الأوصياء في عالمنا العربي، إن كانت أنظمة أو مجتمعات، أن يستمعوا لآراء وأفكار الشباب على محمل الجد، فنحن أمام جيل جديد آخذ في التنامي والتطور ويشعر بالقلق الشديد وحالة "اللايقين" تجاه مستقبله.

لا نريد أن يبقى الحديث عن الشباب ودعمهم "حبرًا على ورق" أو "كلامًا" لا يستحق الوقت الذي نمضيه في الاستماع له، إذا لم تكن هناك برامج حقيقية لاستغلال طاقاتهم، وتمكينهم، ودمجهم في الحياة بكافة أشكالها.