أفنان أبو يحيى تكتب: الفلسطينيون ... المسافة بين الوطن والمنفى

تسميه الولايات المتحدة "توفير الحماية للاجئين الفلسطينيين"، ويسميه الاحتلال الإسرائيلي "الاندماج كحل دائم"، بينما يسميها الفلسطينيون "تصفية القضية الفلسطينية"، وتطلق عليه بعض تيارات الدول المضيفة "احتلال الشعب المحتل" في حين أنّ هناك تيارًا آخر يطلق عليه "أصحاب الحقوق المنقوصة". بغض النظر عن جميع التسميات أو الشعارات السابقة المليئة بالدلالات والمواقف، يبحث هذا التقرير المعمق في قضية اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة وواقع إعادة توطينهم في ضوء وجهتي نظر رئيسيتين هما: تجنيس اللاجئين وحقهم في العودة.

 

استقبال اللاجئين الفلسطينيين

تختلف حالة اللاجئين الفلسطينيين عن أي حالات للجوء في العالم أجمع، لحساسية قضيتهم بسبب خصوصية فلسطين كدولة محتلّة وتجارب الهجرة القسرية التي تعرّض لها الفلسطينيون بشكل رئيسي بعد حربي 1948 و1967. وعلى الرغم من أن قضية فلسطين هي صراع سياسي، لكن أزمة اللاجئين الفلسطينيين اتخذت أبعادًا قانونية واقتصادية واجتماعية. استضافت كل من الأردن ولبنان وسوريا ومصر اللاجئين الفلسطينيين، كما ذهب البعض الآخر بأعداد أقل إلى تونس والقارة الأوروبية، وحاولت كل واحدة من الدول أن تتعامل مع اللاجئين بطريقة مختلفة تحكمها ظروف سياسية واقتصادية محددة.

بدايةً، منحَ الأردن الجنسية للاجئين الفلسطينيين الذين جاؤوا إلى الأردن بعد حربي 1948 و1967 حتى وقف العلاقات القانونية والإدارية مع الضفة، وسُمح للفلسطينيين من حملة الجنسية بالانضمام إلى البرلمان والحكومة والجيش ما عدا الذين قدموا من الضفة الغربية وغزة لاحقًا. في سوريا، يُعتبر اللاجئون الفلسطينيون تقريبًا مواطنين دون أن يُمنحوا الجنسية السورية ويحملون وثائق سورية فلسطينية، بينما يحمل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وثائق سفر خاصة تحرمهم من الحصول على حقوق مدنية أو اقتصادية أو تصاريح عمل كونهم ممنوعين من ممارسة حوالي 70 وظيفة (1).

 

لبنان والموقف من التوطين

إن معارضة اللبنانيين للتوطين الدائم والاندماج للفلسطينيين تتيح التركيز على حقهم في العودة كقضية أساسية في المفاوضات، لكنها ترجع أيضًا إلى الظروف الإقتصادية في لبنان التي لا يمكن أن تتحمل المزيد من المسؤوليات، خاصة أنها تتبنى سياسيًا نظامًا يعتمد على قوى مجموعات دينية مختلفة، إن الاعتراف بالفلسطينيين كمواطنين لا أجانب سيغير هذه الصيغة وسيؤثر على ظروف الجبهة الداخلية حيث يجب تحقيق توازن في توزيع القوى لتجنب عدم الاستقرار والصراع بين الطوائف الدينية أو الطبقات الاقتصادية.

كما تدور مخاوف السلطات اللبنانية حول استخدام الجماعات الفلسطينية للأراضي اللبنانية لشن هجمات على الأراضي المحتلة في حال تم توطينهم، الأمر الذي سيهدد لبنان وسيخرطه في صراع مع القوات الإسرائيلية كما حدث في 1978 و1982.  والأمر لا يتعلق فقط بالتوازن العرقي والطائفي والتركيبة الديموغرافية، ولكن وفقًا لدراسة سلام (1994) ، فإن إعادة التوطين يمكن أن تقوض المصالحة الوطنية التي شكلها اللبنانيون من خلال اتفاق الطائف لعام 1989، أي أن التفكير بالتوطين سيفتح الباب أمام تحديات الإصلاحات السياسية المتفق عليها في الطائف كشرط لإنهاء الحرب الأهلية، مثل هذه التحديات يمكن أن تأخذ شكل بدائل مثيرة للجدل ككونفدرالية النظام بين لبنان وسوريا (2).

 

الأردن ومنح الجنسية

لم يُمنح الفلسطينيون الجنسية إلا في الأردن، ويعتبر البعض أن الوجود الفلسطيني الذي يشكل أكثر من 50% من السكان الأردنيين تهديدًا ديموغرافيًا، لكن وجودهم انعكس إيجابًا على الاقتصاد الأردني خاصة القطاع الخاص وفي فترة ضم الضفة الغربية وبعد حرب الخليج، إذ حملوا معهم من فلسطين أسلوب حياة يعتمد على التجارة والتصنيع (3). كما خلقوا مع الأردنيين بيئة ذات تنوع إيجابي حيث كانت معظم الصراعات بين الفلسطينيين والأردنيين، أو كما يسميها البعض الحرب الأهلية، بسبب مشاكل بين الفصائل والحكومات أكثر من كونها خلافات الناس في المجتمع بما فيها أحداث أيلول الاسود في أوائل السبعينيات.

تعاني الأردن كدولة فقيرة وصغيرة من العبء الاقتصادي الكبير لخدمة المواطنين واللاجئين في ضوء الضغط الإسرائيلي لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين على حساب اللاجئين أنفسهم والمصالح الداخلية، حيث يعمل الاحتلال الإسرائيلي على الترويج للأردن كوطن بديل للفلسطينيين (4)، ما يبرز الحاجة الملحة إلى أن يطالب الأردن بضرورة العودة لقرار للأمم المتحدة بشأن حق العودة المدرج في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية جنيف وقرارات الأمم المتحدة؛ بالتحديد الفقرة 11 من القرار 194 بتاريخ 11 ديسمبر 1948 (5).

 

التجنيس بين التبعات والامتيازات

إن وصول بعض الفلسطينين لأرفع المناصب في الأردن لا ينفي أن معظمهم يعيش في أكثر من 20 مخيمًا حيث يعانون من الفقر والمرض والخدمات المتدنية والجوع إلى جانب بعض التحديات في قطاع العمل المبنية على توجه إقصائي في استحقاقهم للفرص. إلا أن البعض يميلون لإطلاق التعميمات والدعوة باتجاه ضرورة عدم منح الفلسطينيين حقوقهم الكاملة من باب التأثير السلبي على "السكان الأصليين" الذين يجب أن يمنحوا الأولوية في القطاعات، من أجل وقف استغلال قضية فلسطين لخدمة مصالح شخصية ووقف المحاولات الإسرائيلية ليس فقط للتخلص من حق الفلسطينيين في العودة ولكن أيضًا من الادعاء بأن الأردن هو فلسطين (6).

قد يكون هذا منطقيًا وأكثر قابلية للتطبيق قبل تجنيس للاجئين، لكن تطبيق هذا غير منصف الآن في الأردن التي تعتبر دولة مدنية تنص أول مواد دستورها على أن "الأردنيين متساوون أمام القانون"، عدا عن ذلك، إن تبني سياسة تمييزية تتجاهل سلطة القانون والقضاء لجانب خطورته هو أمر نسبي في التنفيذ وقد يخدم أيضًا مصالح شخصية قد تصل للتمييز ضد الأردنيين أنفسهم وإيجاد اعتبارات تفضيلية أخرى على أساس المنطقة أو القبيلة. وتعتمد الدول المضيفة للاجئين بشكل كبير على تلقي المنح والدعم المادي في المقابل، كما أننا ما زلنا لا نملك دليلًا قاطعًا على أن تمكين الفلسطينيين في الأردن سيقودهم إلى نسيان فلسطين والتخلي عن حق العودة بما يخدم الأهداف الصهيونية، خصوصًا وأن الأقلية الغنية والمؤثرة سياسيًا من الفلسطينيين تشغل في الغالب مناصب في القطاع الخاص ووصلت لمواقعها دون مساعدة حكومية.

اندماج الفلسطينيين في سوريا

ثمة واقع مختلف في سوريا سهّل مشاركة اللاجئين الفلسطينيين في الحياة الاجتماعية والاقتصادية من خلال سن قوانين تمنح الفلسطينيين مكانة مساوية لوضع المواطنين السوريين، خاصة أن وصول اللاجئين الفلسطينيين في عام 1948 لم يهدد الاقتصاد أو البنية الاجتماعية للبلاد؛ فلم تكن سوريا تعاني من البطالة أو الموارد الطبيعية المحدودة، ولم يشكل اللاجئون الفلسطينيون أبدًا أكثر من 2 إلى 3 في المائة من السكان (7).

بدون جنسيات، ليس من الضروري أن يحصل الفلسطينيون على تصريح للعمل في سوريا، يمكنهم السفر بحرية والاستقرار في أي مكان في البلاد، كما يتلقون تعليمًا ثانويًا مجانيًا من المدارس الحكومية مع فرص متساوية للانخراط في الجامعات السورية ويخضعون للخدمة الإلزامية في الجيش السوري. ولكن هناك بعض القيود المفروضة على اللاجئين الفلسطينيين، على سبيل المثال لا يجوز لهم التصويت وممارسة الحقوق السياسية، ولا يسمح لهم بامتلاك منازل متعددة كوسيلة لتحقيق التوازن بين إنسانية اللاجئ وحقه في العودة (8).

 

كيف نمضي قدمًا؟

قد تكون سوريا أفضل نموذج لاستضافة اللاجئين الفلسطينيين دون التأثير سلبًا عليهم بالصلاحيات الزائدة أو بالمحاربة المضنية ودون إلحاق الضرر بحقوق المواطنين السوريين، مع مراعاة التكوين الخاص للبلد واحتياجاته. تجدر الإشارة إلى أن الظروف المتعلقة بالفلسطينيين في سوريا هذه الأيام معقدة للغاية بعد الأزمة السورية، إذ غالبًا ما أصبح اللاجئون الفلسطينيون ضحايا لصراعات سياسية نذكر منها أزمة الخليج، والمشكلة الليبية وحرب العراق.

هناك حل آخر اقترحه سلام في دراسته يشير إلى أن التنسيق بين الدول المضيفة والسلطات الفلسطينية يمكن أن يؤدي إلى مبادرة لصياغة موقف عربي موحد يرفض مقترحات تجنيس الفلسطينيين في الدول المضيفة، وذلك من خلال تعريف الدولة الفلسطينية بأنها "دولة جميع الفلسطينيين أينما كانوا" ومنح الجنسية الفلسطينية ليس فقط لأولئك المقيمين في الاراضي المحتلة، ولكن لجميع أولئك الذين يواصلون قسرًا الإقامة في الخارج. إن إصدار بطاقات هوية وجوازات سفر فلسطينية للاجئين الفلسطينيين في الشتات سيزودهم بالحماية الدبلوماسية مع تقليل المسؤوليات للبلدان المضيفة، وسيمنحهم حقوقًا مستحقة مدنية واجتماعية وسياسية ليتمكنوا من ممارستها في سياق المؤسسات الوطنية الفلسطينية بدون أن يكون هذا المقترح تمهيدًا لمنح جنسية هذه الدول، بل تمهيدًا لتعزيز ارتباطهم أكثر بالوقع الفلسطيني الداخلي، وبالتالي حقهم في العودة (9).

إن منح الجنسية للاجئين قد لا يكون الحل الأعدل بالنسبة للفلسطينيين أو المجتمعات المضيفة، ولكن يجب التعامل معه بشكل بعيد عن استهداف اللاجئ، ربما بطريقة مشابهة لكيفية معاملة الفلسطينيين في سوريا سابقًا. في جميع الحالات، يجب أن تكون المعركة بشكل رئيسي ضد المفاهيم والقيم السيئة وليس في شكل خطاب كراهية تجاه مجموعة عرقية، بالطبع دون الإفراط في السماح بتبني أجندات المنظمات غير الحكومية للتعايش غير البريء.

منذ وعد بلفور، أول مشروع رسمي للتوطين، حتى صفقة القرن، من السهل ملاحظة الرغبة الإسرائيلية في توطين اللاجئين الفلسطينيين في أي مكان باستثناء وطنهم. لكن بغض النظر عن سياسات التعامل مع اللاجئين في البلدان المضيفة، يجب أن تلتزم جميعها وتأخد في الاعتبار دائمًا مبدأ رئيسيًا هو أن "اللاجئ ليس عدوك؛ عدوك من جعله لاجئًا".


_____________________________________________________________________________

(1) Akram, S. M. (2002). PALESTINIAN REFUGEES AND THEIR LEGAL STATUS: RIGHTS, POLITICS, AND IMPLICATIONS FOR A JUST SOLUTION. Journal of Palestine Studies, 16.

(2) SALAM, N. A. (1994). BETWEEN REPATRIATION AND RESETTLEMENT: PALESTINIAN REFUGEES IN LEBANON . Journal of Palestine Studies, 10.

(3) Khalil, A. (2009). PALESTINIAN REFUGEES IN ARAB STATES: A RIGHTS-BASED APPROACH. robert schuman centre for advanced studies, 68.

(4) Boling, G. J. (2001). Palestinian Refugees and the Right of Return: An International Law Analysis . BADIL - Information & Discussion Brief , 21.

(5) Marmor, A. (2017). Entitlement to Land and The Right of Return: An Embarrassing Challenge for Liberal Zionism. University of Southern California Law School , 29

(6) Chen, T. (2009). Palestinian Refugees in Arab Countries and Their Impacts. Journal of Middle Eastern and Islamic Studies , 16.

(7) Khalil, A. (2010). SOCIOECONOMIC RIGHTS OF REFUGEES . Center for Migration and Refugee Studies Regional Research , 42.

(8) Khalil, A. (2010). SOCIOECONOMIC RIGHTS OF REFUGEES. Center for Migration and Refugee Studies Regional Research, 42.

(9) SALAM, N. A. (1994). BETWEEN REPATRIATION AND RESETTLEMENT: PALESTINIAN REFUGEES IN LEBANON . Journal of Palestine Studies, 10.