غادة خنفر تكتب: جائحة كورونا وتأثيرها على عمالة الأطفال

إنّ 76 ألف طفلٍ يشكّلونَ ما هو نسبتُهُ 1,89% من مجمل الأطفال المقيمينَ في الأردنّ في الفئة العمرية (5-17) عامًا هم عاملونَ بحسب المسحِ الوطنيّ لعمل الأطفالِ في الأردنّ لعام 2016م والذي نفذّهُ مركزُ الدراسات الإستراتيجية في الجامعةِ الأردنيّة بالتّشاورِ مع وزارةِ العملِ الأردنيّةِ ودائرةِ الإحصاءاتِ العامّةِ الأردنية، وإنّ نصفَ هؤلاءِ الأطفال العاملين هم عاملونَ في مهنٍ خطرةٍ بحسبِ ما قالتهُ منظّمةُ العملِ الدّوليّة.(1)

شهدَت المملكَةُ الأردنيّةُ الهاشميّةُ في السّنواتِ الأخيرةِ تَزايُدًا كارِثِيًّا في أعدادِ الأطفالِ العاملين لعدّة أسبابٍ، لربّما كانَ أهمّها توافُدُ أعدادٍ ضخمةٍ من اللاجئينَ وتحديدًا السّوريين منهم، حيثُ كانَ عدد الأطفالِ العاملينَ في عام 2006م ما يقاربُ 33 ألفًا ليصلَ إلى 76 ألفًا في عامِ 2016م. (1)(2)

تعدّ عمالة الأطفال ظاهرةً تُعاني منها شتّى المجتمعات في مُختلفِ أنحاء العالم، والتي تتمثّلُ بتشغيلِ الأطفالِ في أعمالٍ علّها تكونُ في بعضِ الأحيانِ خطرَةً على الصّعيدينِ الجسدِيّ والنّفسيّ للطفل، عدا عن كونِها ظاهرة مُرتبطة وبشكل واضح بالظاهرةِ الوحشيّةِ الإجراميّة ألا وهيَ الاتّجار بالبشر.


ا جَرَمَ أنّ الحاجَةَ، والفقرَ، والأميّةَ والجهلَ، والبطالةَ، والتفكّكَ الأسريّ والاستغلالَ هي عوامِلٌ تُشكّلُ عمادَ بنيانِ هذهِ الظّاهرةِ المُستبدّةِ، وخاصّةً مع تزايدِ حالاتِ الطّلاقِ بشكلٍ لافتٍ في السّنواتِ الخمسِ الأخيرةِ، وكم أنّ الأهالي المُربّينَ هم بحاجةٍ إلى المزيدِ منَ الوعي والثقافةِ حولَ الآثار السلبيةِ الناجمةِ عن عملِ الأطفالِ في سنٍّ مبكّرةٍ.(3)


 ُصادِفُ في الثّاني عشر من حزيران اليوم العالميّ لمكافحةِ عملِ الأطفالِ، والذي برَزت أهمّيتهُ في العامِ الجاري 2020م؛ نظرًا للأوضاعِ العالميّةِ الرّاهنةِ ولاسيّما الاقتصاديّة منها، والتي تَدَهورَت وبشكلٍ أساسيّ بسبب جائحةِ فيروس كورونا، وطالما كانت ظاهرةُ عمالةَ الأطفال ترتبطُ ارتباطًا وثيقًا بالعواملِ الاقتصاديّة على شتّى الصُّعُد؛ سواءً الفرديّة منها أو العائلية أو المجتمعيّةِ المحليّة منها والعالمية؛ فكما أوضَحَ المرصد العماليّ الأردنيّ إنّ أغلبيّةَ الأطفال العاملين ينتمونَ إلى أسَرٍ فقيرةٍ، فكيفَ وقد فقدَ الأردنيونَ اليومَ بسبب هذهِ الجائحةِ المُستبدّةِ ما بين 50 إلى 80 ألف وظيفةٍ بحسبِ ما قدّرهُ بيتُ العمّال للدراساتِ والأبحاث في شهر أيّار من العام الجاري!(4)
وأضف إلى ذلكَ أنّ الأطفالَ اليومَ قد أصبحوا معرّضينَ للمزيدِ من سُبُلِ الاستغلالِ من قبلِ أصحابِ العمل؛ نتيجةَ تأثُّرِ جميعِ طبقاتِ المُجتمعِ مادِيًّا، ممّا يجعلُ صاحبَ العملِ مُستغلًّا لعمّالهِ، ويُرغمُ العاملينَ على الرُّضوخِ للأمرِ الواقعِ؛ تخوّفًا من فقدانِ وظائفِهم.
الأمر الذي يجعلُنا ندركُ اليومَ أهميّةَ تسليطِ الضّوءِ على هذه الظاهرةِ نتيجةً للزيّادةِ الحتميّةِ في نسَبِ الجوعِ والفقرِ في الأردنّ تبعًا لتأثيراتِ هذه الأزمة، ناهيكَ عن قوّةِ تأثير العامل الاقتصاديّ على العواملِ الثقافيّةِ والاجتماعيّة والتّربويّةِ بشكلٍ سلبيّ، فكم من عائلةٍ فقدت اليومَ مُعيلَها الواحد، ممّا أرغمَها على تَقبُّل فكرة عمالةِ الأطفال بيدَ رفضها لها سابقًا، ممّا يُسهّلُ عمليةَ انتشارِ هذا الوباءِ الشّرسِ وتفشّيهِ بشكلٍ أكثرَ اتّساعًا في مجتمعنا في مثلِ هذا الوضعِ الرّاهن، ويشكّلُ تهديدًا صريحًا للسّلمِ المُجتمعيّ.

لن تكونَ الأوضاعُ الاقتصادِيةُ المُتردّيةُ وحدَها كفيلةً بتحقيقِ تزايدٍ ملحوظٍ في أعداد الأطفالِ العاملينَ وإنّما ستكونُ للعواملِ الثقافيةِ والاجتماعيةِ والتّربويةِ بصمةً واضحَةً كذلك؛ فالنّمَطُ المعيشيُّ الجديدُ اليومَ يفرِضُ تغييرًا جذريًّا على حياةِ الكثيرينَ، فعندما كانَ التّسرُّبُ المدرسيُّ إحدى الأسبابِ الاجتماعيّةِ أو التّربويّةِ الأساسيّةِ في انتشارِ ظاهرةِ عمالةِ الأطفالِ يصبحُ اليومَ التّعليمُ عن بعدٍ سببًا رئيسيًّا كذلكَ؛ نظرًا لضعفِ إقبالِ الطّلبةِ على مثلِ هذا النّوعِ منَ الدّراسةِ؛ نتيجةَ ضعفِ المواردِ والمُقوّماتِ التي لا يقومُ التّعليمُ الإلكترونيّ إلّا بامتلاكها؛ فاقتناءُ الأجهزةِ الذكيّةِ أو الحواسيب أو حتّى دفعُ الاشتراكاتِ لشبكاتِ الاتّصالاتِ للدّخولِ إلى شبكةِ الإنترنت لا يبدو أمرًا سهلًا على الكثيرِ من العائلاتِ الأردنيّة، ولا يقتصرُ ذلكَ على الفقيرةِ منها وإنّما قد تتجاوزُ صعوبَةُ الأمرِ لتصلَ أصحابَ الدُّخولِ المُتوسّطة منهم، عدا عن جهلِ بعض العائلاتِ باستخدامِ مثلِ هذهِ الأجهزةِ وتقنياتِها المُتعدّدَةِ ووسائطِها المُتنوّعة، إذًا فإنّ الفراغَ لدى الكثيرِ من الطّلبةِ في ظلّ قيامِ التّعليمِ المُحوسَبِ قد يُحدِثُ تَزايُدًا غيرَ مرغوبٍ البتّة في أعدادِ أطفالِنا العاملين.

حتّى ومع بدء العامِ الدّراسيّ الجديدِ على مقاعدِ الدّراسَةِ الصّفيّةِ في شهر أيلول الجاري، ما زالت الصُّعوباتُ قائمةً، والمصيرُ المُترتّبُ نتيجةَ هذا القرارِ المُتمثّل بفتحِ أبوابِ المدارس ما زال مجهولَ الهويّة، فالإصاباتُ اليوميّةُ بهذا الفيروس تُشكّلُ تهديدًا على المدارسِ التي أوصدَت أبوابها لفتراتٍ طويلة.

إذًا، فكورونا اليوم تُشكّلُ تهديدًا واضحًا وخَطَرًا صريحًا على مصيرِ أطفالِنا حاضرِهِ ومُستقبلهِ، وعلى سلمِنا المجتمعيّ، فنظرًا للعواملِ المَطروحَةِ سابقًا والتي تعملُ على تهيئةِ المناخِ المُناسِبِ لزيادةِ أعدادِ الأطفالِ العاملينَ في الأردنّ، فإنّ حدوثَ تضخُّمٍ واضحٍ في تفشّي هذه الظاهرةِ أمرٌ مفروغٌ منه، تضَخُّمٌ يجرُّ وراءَهُ سلسَلَةً من الزّياداتِ الطّرديَّةِ في أعدادِ المُدمِنينَ، والمكتئبينَ، والأميينَ، والمُستغلينَ جنسيًّا وغيرِهِمُ الكثير.

لا بدّ أنّ كمًّا هائلًا من المسؤوليةِ التعليميّةِ والتّربويّةِ قد أصبحَ مُلقًى على عاتِقِ الآباء، وبالأخصّ أولئكَ الذينَ يُنشئونَ جيلًا من الأطفالِ ما زالوا في الصُّفوفِ الأساسيّةِ الأولى، فالأميّةُ داءُ المُجتمعاتِ، وسببٌ رئيسٌ في لجوءِ الأطفالِ إلى بيئةِ العمل. وليستِ الصُّعوباتُ مُقتَصرة على الأهالي فقط، فكم تُواجِهُ الحكومةُ اليومَ صعوباتٍ جمّةٍ في مُقاومَةِ الخرابِ الذي ما انفكّت تُخلفُهُ هذهِ الجائحة، وكم من قضيّةٍ فُتحَ بابُها على مِصراعَيهِ لا يُقفلُهُ سوى طرحُ حلولٍ جذريّةٍ تُحدِثُ التغيير، وخاصّةً في القضايا المُتعلّقةِ بالفقرِ والبطالةِ والتعليم والعمل، وهنا يكمُنُ دورُ اللجانِ المعنيّةِ والمؤسساتِ المسؤولةِ عن مثل هذه القضايا لتضعَ بصمَتَها في مُحارَبَةِ تضاعُفِ الأزماتِ، وعن أهميّةِ دورِها في اتخاذِ خطواتٍ سريعةٍ للكشفِ عن العائلاتِ التي تدهورتْ أوضاعُها تبعًا لهذه الجائحة، وخصوصًا تلكَ التي صارت بلا مُعيلٍ، وعن أهمّيةِ مُواكَبَةِ شتّى مُتطلّباتِ التّعليمِ الإلكترونيّ التي يحتاجُها أبناؤنا الطّلبةِ وتوفيرها في أسرعِ وقتٍ ممكن، وأمّا في كفّةِ الاقتصاد، فتبدو مُراجعةُ السّياساتِ الاقتصاديّةِ المتبّعةِ في الأردنّ على كافّةِ الأصعدةِ نظرًا للتغيير الذي أحدَثَتْهُ هذهِ الأزمةُ أمرًا بالغَ الأهميّة.
وهُنا أشدُّ الاختباراتِ التي تخضعُ لها الشُّعوبُ مُرغَمَةً، إنّها اختباراتُ التّكافُلِ والتّضامُنِ والتّعاضُد والتّكاتُف، والتي يُفترضُ أن تكونَ النتائجُ التي أحرزَها الإنسانُ فيها فطريّةً تتمثّلُ في مُساعدَةِ الإنسانِ أخاه الإنسان، في سبيلِ التكيّف مع هذه الأزمةِ والتعايشِ مع النّمطِ المعيشيّ الجديدِ المفروضِ تبعًا لتأثيراتها، وفي سبيلِ المحافظة على سلمِ مُجتمعنا، والعنايةِ المُثلى بالأجيالِ النّاشئة.