عمر العقلة يكتب: بذور السلم المجتمعي بأيدي الشباب السوري

يمر العالم الحديث في هذه اللحظات بتوترات مليئة بالعنف، والمظالم، واستبعاد لغة الحوار والتسامح فيما بينه، و قد اتخذت ثقافة العنف مركزًا لا يستهان به في معظم البلدان النامية خاصة في منطقة الشرق الأوسط مما يهدد معه مستقبل الشباب الذين يطمحون لحياة أفضل، و لذلك يجب علينا خلق ثقافة السلام  لحل النزاعات  مواجهة تحدياتهم وتأمين احتياجاتهم. فالشباب لهم القدرة على تعزيز ثقافة التغيير عن طريق تغيير حالات الصراع بشكل إيجابي وبناء أسس مجتمعية ديمقراطية وسلمية، بوصفهم أصحاب مصلحة جوهرية وقادة، فإن إشراك الشباب في عمليات بناء السلام يضمن وجود فئة ذات صلة فعالة في المجتمع مجهزة للإسهام الإيجابي في السلام و الأمن و الدفاع عن حدود السلم واللاعنف (1).

وقد عرّفت الجمعية العامة للأمم المتحدة السلم المجتمعي بأنه: حالة السلم والعيش بسلام بين أفراد المجتمع الواحد، وحل الاختلافات في الآراء، والنزاعات بالطرق السلمية (2). أما الشباب، فيعتبرون فئة اخترعتها الثقافة الحديثة على أساس أنهم واقع ملموس ومقبول عالميًا. وقد شملت الأمم المتحدة  "الشباب" بأنهم الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم ما بين 14- 24 عامًا دون الإخلال بالتعاريف الأخرى التي تضيفها الدول الأعضاء (3).

لا أحد يعرف القيمة الروحية للسلم المجتمعي إلا من عاش ويلات الحرب الأهلية والعرقية والطائفية، فهو ضرورة وركيزة أساسية لأي تطور وازدهار ورقي إنساني في أي مجتمع ما، و هذا ما يفتقر إليه الشعب السوري حتى اللحظة، وبالتحديد فئة الشباب التي ما تزال الأكثر ضررًا في هذا السيناريو(4).

    تنقسم هذه المقالة إلى ثلاثة محاور: أولًا- التحديات التي تواجه الشباب السوري في  السلم المجتمعي . ثانيًا- أسباب مشاركة الشباب السوري في السلم المجتمعي. ثالثًا- احتياجات الشباب السوري في عملية السلم المجتمعي.

 

أولًا- التحديات التي تواجه الشباب السوري في بناء السلم المجتمعي

 يواجه الشباب السوري تحديات عديدة في تحقيق عمليات بناء السلام، فالنهج السياسي يعتبر الشباب جنودًا متمردين بسبب تورطهم في حملات عنيفة في جميع أنحاء العالم، إلا إن عدم إشراك الشباب في مواضيع السلم المجتمعي  واستشارتهم يجعلهم أمام تحدٍ كبير بإقصائهم من مشاركتهم في عملية زرع بذور السلم المجتمعي، فيجب علينا تغيير الصورة النمطية السلبية للشباب، فهم عملاء السلام، ودعاة التغيير ودليل ذلك اتجاه الشباب نحو مسيرات الربيع العربي(5).

وفي معرض الحديث عن الأزمة التي تعيشها سوريا منذ سنوات، فإن حساسية الموضوع المتعلق بمصطلح السلم المجتمعي بالنسبة للشباب السوري وخوفهم من القبضة الأمنية المتشددة من الدولة، وكثرة الفصائل الإرهابية قد عملت جميعًا على تواجد خصب للبيئة العسكرية، وانتشار للأسلحة بكافة أنواعها في سوريا مما أدى إلى عدم انخراط الشباب بحرية في ما يخص نشاطات السلم المجتمعي (6).

ليس هذا فقط، بل لعبت ظاهرة تفاقم الانقسامات المجتمعية، والاستقطاب الإيديولوجي العميق في الأفكار، والمعتقدات المتطرفة والخاطئة دورًا في إثارة النعرات الطائفية العدائية فيما بين صفوف الشباب التي تمنع فرص الحوار الهادف، وخلق حواجز صماء أمام استثماراتهم في تحقيق بوادر السلام حيث انعدمت الثقة في الشباب وفي منظماتهم فأصبحوا يتعرضون للرفض المجتمعي وعدم الاعتراف الرسمي بمنظماتهم المحلية الشبابية التي تهدف لبناء السلم المجتمعي، ويتفرع عن هذا الأمر أيضًا عدم مقدرة هذه المنظمات على نيل التمويل والدعم اللوجستي المناسب، فالعقبات التمويلية تلعب دورًا بالغ الأهمية في تحديد أنواع الأنشطة التي يمكن للمنظمات القيام بها من قبل الشباب (7).

لا ننسى أيضًا أنّ هجرة العديد من نشطاء وقادة السلام الشبابي  بسبب خوفهم من الأعمال العدائية المتضمنة التهديد، والاعتقال، والقتل من قبل قوات النظام أو الجماعات المسلحة إلى الدول المجاورة أو دول الاتحاد الأوروبي بطرق غير شرعية، تمثل عائقًا و حاجزَا أمام عمليات السلم المجتمعي بسبب امتداد أثرها السلبي إلى معظم المناطق السورية(8).

ثانياً- أسباب مشاركة الشباب السوري في بناء السلم المجتمعي

في واقع الأمر يعتبر الشباب النواة الأساسية في إحداث التغيير فهم أحد أكثر وسائل التغيير الاجتماعي وعماد الأمة و قوتها، وذلك لأن الشباب غالبًا ما يلعبون دورًا مهيمنًا في الحركات الاجتماعية التي عادة ما تكون القوة الدافعة وراء هذه التغييرات (9).

وبما أن الشباب أكثر انفتاحًا وتقبلًا للتغيير، فهم يبحثون دائمًا عن أفكار جديدة ويقتحمون التحديات الجديدة، فاستعدادهم الموضوعي نحو التغيير وتقبل الجديد  سيضمن المواكبة الحثيثة للمتغيرات والتكيف معها بسلاسة دونما إرباك. ومن جهة أخرى، فالشباب يتميزون بالإبداع حيث يمتلكون وقتًا أكبر في التفكير وتطوير أفكارهم التي غالبًا ما تهدف إلى حل المشكلات المعاصرة التي تواجههم بطرق مبتكرة. و بما أن الشباب على معرفة وطيدة بحقائق أقرانهم ولديهم روابط اجتماعية بمجتمعهم، فهم يتمتعون بمعرفة احتياجات أقرانهم استنادًا إلى تجاربهم الخاصة واتصالهم الوثيق مع هؤلاء الأقران الأمر الذي يساعدهم على رسم خطة بناءّة للسلم المجتمعي مبنية على وقائع و حقائق ملموسة (10).

ومما لا ريب فيه ضرورة أن تبدأ عملية السلم المجتمعي بالأشخاص المتأثرين بالنزاع، فيجب أن تبدأ من الداخل السوري وبأيدي الشباب السوري، وأن تكون مدعومة من مؤسسات داخلية ودولية  حتى تتضافر الجهود  من أجل تحقيق سلم مجتمعي متكامل على الأمد الطويل. وقد نفذت إحدى الدراسات  إحصائية في الداخل السوري للاطلاع على مشاركات الشباب في بناء السلام وكانت أكبر نسبة (45.10%) من الشباب تشارك في تعزيز قيم السلام، ومواجهة الخطابات الطائفية، ونسبة )27.45%) كانت تدور حول أعمال الإغاثة والتنمية، ونسبة (21.57%) تدور حول نشاطات في حقوق الإنسان، ونسبة (5.88%) تعمل على الوساطة لتحرير واستبدال المعتقلين، وبذلك نجد أن هذا الفضاء لا يمكن تواجده دون الشباب والطاقة الشابة التي يقدمونها (11).

ثالثًا- احتياجات الشباب السوري في عملية السلم المجتمعي

إن الاحتياجات أمر نسبي يختلف من مجتمع إلى آخر تبًعًا لطبيعة وخصوصيات المجتمع المدني، والتطور الاجتماعي والاقتصادي في داخله. ومن أجل أن نعرف استعدادات الشباب، لا بد من معرفة الاحتياجات الأساسية للشباب والعمل على تلبيتها وأخذها بعين الاعتبار حتى تكون قواعد صلبة يرتكز عليها عند صياغة الخطط والبرامج الشبابية (12).

وفي غضون الأزمة التي تعاصرها سوريا، أصبح الشباب وبشكل ماس بحاجة إلى أمور عديدة. نشير هنا إلى التكوين وتنمية المهارات التي تبنى على جودة التعليم العالي (13)، والاعتراف  بالشباب كعناصر فاعلة، وتقديم الدعم المادي واللوجستي. فكلما كان التمويل أكثر مرونة، كانت المبادرات أكثر فاعلية، وذات رقعة مكانية، وأثر أكبر على المجتمع بشكل عام. وكذا أيضًا بناء القدرات التي تمكن النشطاء في أدوات بناء السلم المجتمعي، والحاجة إلى مؤسسات الدولة القائمة على سيادة القانون القادرة على تنفيذ مهامها، بغية أن لا تتركز طاقات الشباب على تقديم الخدمات الأساسية فقط، بالإضافة إلى دعم ملموس للمشاريع الإعلامية المحلية التي تهدف إلى مواجهة الخطاب الطائفي وتعزيز القيم السلمية التي تتصدى لكل عائق أو تشكيك في قدرات الشباب (14). وإن إدماج الشباب السوري في المبادرات والمؤتمرات المتعلقة بدراسات السلام يساعد في التعرف على وجهات نظر من ثقافات متعددة وتبادل الاقتراحات والآراء التي تساعد على توسع الرؤية لدى الشباب فيما يتضمن ثقافة السلام، وتطويرها، والابتعاد عن العنف وأشكاله، والتعرف على الأسباب الأساسية للنزاع، والاطلاع على القوانين الدولية الإنسانية، وقوانين حقوق الإنسان وحضور العدالة. من الضروري أيضًا تطوير مفهوم المواطنة المتضمن تعزيز الشعور بالانتماء للوطن، فهو حجر الزاوية الذي يعمل على تحسين الظروف الاقتصادية والمجتمعية، مما يخلق لدينا مجتمعًا شموليًا يوفر لكل شخص بداخله حقوقه ومسؤولياته، فهنا سنحقق قيم الإنصاف والمساواة والعدالة الاجتماعية  (15). فجميعها تمثل حاجات ضرورية ينطلق منها السلم المجتمعي بأيدي الشباب السوري بشكل إيجابي ومستدام.

وفي حقيقة الأمر، قد تبدو نهاية الحرب الطاحنة في سوريا بعيدة المنال، لكن هذا لا يعني أن ننسى حدوث السلام. وبما أن الأمل يعود تدريجيًا إلى سوريا، فلا بد من توظيف طاقات الشباب في عمليات بناء السلام بطرق منهجية وإستراتيجيات منتظمة مدعومة من جهات رسمية. ومن ناحية أخرى، يجب علينا أن نؤمن بدور الشباب ونعتبرهم  خطاب سلام لا كراهية، ولذلك من الضروري دراسة الشباب كعوامل التمكين الأساسية للتغيير الاجتماعي، وكقادة لليوم و للمستقبل يعملون على دفع عجلة بناء السلام بشكل مستمر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

  1. Del Felice, C. & Wilser, W.(2007), the unexplored power and potential of Youth as Peace-builders, journal of peace conflict & development, Issue (11), page 21. 
  2.  دعبم , عزيز سمعان , (2019) , ثقافة السلم المجتمعي عقبات و تعزيزات من وجهة نظر عيّنه مجتمعيّة, مجلة جامعة الحسين بن طلال للبحوث, ملحق(3), المجلد (5), ص 24. http://www.ahu.edu.jo/magazine/Admin_Site/Articles/Images/fcc95497-cbc4-4ecc-b6e7-fb461f1b1a8d.pdf  تاريخ الرجوع 20/08/2020.
  3. Cursi, R. (2017), the role of youth in peace-building , Centro Studi Difesa Civile, page 9. http://www.pacedifesa.org/wp-content/uploads/2017/09/The-role-of-youth-in-peacebuilding_rev26092017-1.pdf  , تاريخ الرجوع 19/08/2020.
  4. العطار, حسن , (02, فبراير, 2019), مفهوم السلم الاجتماعي, المغرب, https://www.google.com/amp/s/elaph.com/amp/Web/Opinion/2019/02/1236862.html , تاريخ الرجوع 19/08/2020.
  5. Bennett, R. and others, (2012), youth and peace-building in Nepal: the current context and recommendations, page 4, https://www.sfcg.org/wp-content/uploads/2012/01/NEP_CA_Jan12_Youth-and-Peacebuilding.pdf  تاريخ الرجوع 19/08/2020..
  6. Simpson, G. (2018), The Missing Peace Independent Progress Study on Youth, Peace and Security, page 8, https://www.youth4peace.info/system/files/2018-10/youth-web-english.pdf  تاريخ الرجوع 20/08/2020. 
  7. Abo Naser, M. and others, (2016), Inside Syria: what local actors are doing for peace, Swisspeace, page 5, https://www.sfcg.org/wp-content/uploads/2012/01/NEP_CA_Jan12_Youth-and-Peacebuilding.pdf تاريخ الرجوع 20/08/2020.
  8. British Council, (2017), Innovative Peace-building in Syria, page 8, https://syria.britishcouncil.org/sites/default/files/peacetech_report_web_en.pdf تاريخ الرجوع 20/08/2020.
  9. Bennett, R. and others, (2012), youth and peace-building in Nepal: the current context and recommendations, page 8, https://www.sfcg.org/wp-content/uploads/2012/01/NEP_CA_Jan12_Youth-and-Peacebuilding.pdf  تاريخ الرجوع 20/08/2020
  10. Del Felice, C. & Wilser, W.(2007), the unexplored power and potential of Youth as Peace-builders, journal of peace conflict & development, Issue (11), page 24.
  11. Abo Naser, M. and others, (2016), Inside Syria: what local actors are doing for peace,  Swisspeace, page10 , https://www.sfcg.org/wp-content/uploads/2012/01/NEP_CA_Jan12_Youth-and-Peacebuilding.pdf تاريخ الرجوع 20/08/2020.
  12. http://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=3202 , تاريخ الرجوع 20/08/2020
  13. https://cutt.us/boO6S تاريخ الرجوع 20/08/2020.
  14. Abo Naser, M. and others, (2016), Inside Syria: what local actors are doing for peace,  Swisspeace, page28. , https://www.sfcg.org/wp-content/uploads/2012/01/NEP_CA_Jan12_Youth-and-Peacebuilding.pdf تاريخ الرجوع 20/08/2020.
  15. https://cutt.us/zuofx تاريخ الرجوع 20/08/2020.