أفنان أبو يحيى تكتب: إشكالية حماية المعلومة والحصول عليها

على الرغم من أن الأردن يعد أول دولة عربية تقر قانون ضمان حق الحصول على المعلومة عام 2007 والذي تم تعديله مؤخرًا عام 2019 بعد مجموعة الإشكاليات القانونية التي طُرحَت على الطاولة، إلا أن التعديلات التي حصلت بدت إيجابية بالنسبة للبعض، في حين جادل آخرون بأنها محاولات بائسة لن تنهض بترتيب الأردن في مؤشر تقييم حق الحصول على المعلومات.

وحمل تعديل القانون تغييرًا لتعريفات الكلمات الرئيسية، وخفضًا لمدة الاستجابة لطلب الحصول على المعلومة، وتعديلًا لتشكيلة مجلس المعلومات، مع إلغاء بعض المواد التي تشترط وجود مصلحة مشروعة لطالب المعلومة أو ضرورة حملِه للجنسية الأردنية، لكنه يواجه صعوبة التطبيق العملي من قبل المؤسسات التي قد تعتبر تقديم المعلومة سخاءً منها، فمن هي المؤسسة الحكومية التي تقوم بالنشر الدوري للمعلومات المتعلقة بالهيكل التنظيمي والموازنة المالية للدائرة، وسياستها العامة وبرامجها وخططها، إلى جانب المعلومات الإحصائية، والتقارير السنوية أو الدورية، والاتفاقيات التي تكون الدولة طرفًا فيها أو التي انضمت إليها المملكة وصادقت عليها، وأسماء الموظفين وآلية التواصل معهم، والعطاءات العامة التي وقعتها المملكة وميزانية كل منها وطبيعتها، رغم إلزامية المادة 8 من قانون الحصول على المعلومة القيام بهذا الدور.

ويبدو أن تعديل هذا القانون لم يكفِ لنفض الغبار عنه حاله حال أي وثيقة حكومية يتم نشرها في الصحيفة الرسمية لكنها بالكاد تغادر عمليًا تلك الأعمدة التي خصصت لنشرها ذلك اليوم، نظرًا لجذور المشكلة المتمثلة في التقييدات المفروضة على الباحث عن المعلومة ليسد بها رمق حريّته في التعبير، إذ تبدو قواعد تصنيف المعلومات في الأردن أشد تعقيدًا من القانون المعدّل نفسه خصوصًا في ظل اعتماد قانون حماية الأسرار ووثائق الدولة، وقانون الوثائق الوطنية لعام 2017 اللذين يقفان عقبة في طريق أي تعديل قانوني حالم.

ومثلما يلزم القانون (مادة 4) مفوّض المعلومات بتسهيل مهمة الفرد في الوصول إلى المعلومات وضمان كشفها دون إبطاء، إلا أنه يمنحه بشكل غير مباشر سلطة تقديرية لتصنيف المعلومات على أنها سرية أو محمية أو حتى الإدعاء بأنها تالفة دون أن يملك المواطن أي حيلة لمواجهة مبرر كهذا ودون وجود شكل رقابي حقيقي على المؤسسات الحكومية التي لا تقوم بفهرسة وتنظيم المعلومات والوثائق حسب الأصول المهنية والفنية مع الافتقار لأسس واضحة لتنفيذ حق التظلم في رفض تعسفية إخفاء المعلومات والامتناع عن الرد، هذا إن لم يتورط الشخص في سلسلة من متاهة الإجراءات البيروقراطية الخانقة.

ويحق للمسؤول، بموجب المادة 13، "الامتناع عن الكشف عن المعلومات المتعلقة بالوثائق التي يتم الحصول عليها من دولة أخرى وتم الاتفاق أن تبقى سرية من قبل الجانبين، والأسرار الخاصة بالدفاع الوطني أو أمن الدولة، أو سياستها الخارجية، والمعلومات والملفات الشخصية المتعلقة بسجلات الأشخاص ما لم يتعلق بإشغال منصب عام، ومحاضر التحقيقات التي تجريها النيابة العامة، أو الضابطة العدلية، أو الأجهزة الأمنية بشأن أي جريمة او قضية، والمعلومات التي تتضمن تحليلات، أو توصيات، أو اقتراحات، أو استشارات تقدم للمسؤول قبل أن يتم اتخاذ قرار بشأنها، ويشمل ذلك المراسلات والمعلومات المتبادلة بين الإدارات الحكومية المختلفة حولها، والمراسلات ذات الطبيعة الشخصية والسرية، والمعلومات التي يؤدي الكشف عنها إلى التأثير في المفاوضات بين المملكة وأي دولة او جهة اخرى".

وكان يمكن الاستعاضة عن كل بنود هذه المادة بحظر مشاركة الفرد بأي معلومة من شأنها أن تجعله جزءًا من عملية اتخاذ القرار التي يدفعها ثمنها عامّة الناس، إذ برزت هذه المعضلة في حادثة حجب اتفاقية الغاز الأردنية- الإسرائيلية عن المواطنين وحتى عن أعضاء مجلس النواب نفسهم.

وتأتي ضرورة احترام هذا الحق لكونه لب حرية الرأي والتعبير المشروعة والمكفولة بالدستور التي يمارسها الفرد ويحتاج فيها إلى المعلومات والبيانات والوثائق التي تعزز عملية النقد البناء، خصوصًا مع تراجع مؤشرات حريات التعبير وزيادة أعداد معتقلي الرأي وفقًا لتقرير منظمة رصد حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش) لعام 2019.

إن تكريس مساعي الأفراد من الصحفيين وغيرهم للحصول على المعلومة جزء من العملية الديموقراطية العادلة والنزيهة إلا إذا كانت الحكومات تلهث نحو المظهر الشكلي لهذه العمليات لا جوهرها، وتحاول أن تحيط نفسها بأكبر قدر ممكن من السرية والسلطوية المتفوقة على المواطنين غير القادرين على توجيه سهام النقد نحوها في الوقت الذي تحولت فيها الحروب من استخدام الأسلحة إلى استغلال المعلومات.

ولا تهدد بنود القانون هذه من المبادئ الإنسانية حق المعرفة فقط، بل حرية الصحافة المطالَبَة بتقديم المحتوى الجيد ومحاربة الإشاعة وسيل الأخبار المغلوطة، والمفوّضة بمراقبة السلطات الثلاث بالنيابة عن المواطنين. وإن بدا أن التأقلم مع مقدار الحريات المتاح غير مثيرٍ للمشاكل وطريقًا أيسر إلا أنه سينعكس لاحقًا -إن لم يكن قد انعكس- في حالة من الركود السياسي والديموقراطي غير الساعي للإصلاح، وغير القادر على مواجهة السلطة الأبوية التي تسعى لعزل الشعب عن المشاركة الفاعلة وتكميم أفواه كل حملة الرسائل الحقيقية المجدفّة عكس التيار والمغرّدة خارج السرب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

  1. تقرير منظمة رصد حقوق الإنسان لعام 2019 عن الأردن
  2. قانون ضمان حق الحصول على المعلومات المعدّل 2019
  3. قانون ضمان حق الحصول على المعلومات قبل التعديل 2007
  4. مقال منسق حملة غاز العدو احتلال عن حجب وثائق الاتفاقية
  5. دليل إرشادي حول قواعد وإجراءات تصنيف المعلومات للوزارات والمؤسسات العامة
  6. قانون حماية الأسرار ووثائق الدولة
  7. قانون الوثائق الوطنية لعام 2017