عبد الهادي الركب يكتب: فيلم "جنين جنين" ... وثيقة سينمائية تصفع المحتل

القاعة المظلمة والجلوس بجانب من تحب وربما علبة من الفشار، هي تلك الأمور التي تتبادر إلى الذهن عند سؤال نسبة لا بأس بها من الناس في الشارع العربي عن السينما. ولكن الحقيقة هي أن الفيلم السينمائي يتعدى ذلك المستوى المنحدر من الاعتبارات ليصل به الأمر لاعتباره إثباتًا يقينيًا يدين دولًا وكيانات.

ولو أردنا سَوْق مثال على تلك الحالة المطروحة لوجدنا فيلم «جنين جنين» لمخرجه  الفلسطيني «محمد بكري» الشاهد الأقوى على الإطلاق، وذلك لامتلاكه المقومات التي تجعله قادرًا على تقديم إثبات يقيني لقضية هي الأعدل، ولكن الحقيقة المُرَّة أنه لا يستطيع -قانونيًا- أن يدين موظفًا لا يقدم توقيعه ولا يؤخر.

بدأت قصة الفيلم منذ ثمانية عشر عامًا في أبريل/نيسان عام 2002 عندما تسلل المخرج محمد بكري إلى داخل مخيم جنين، الذي يعتبر ثاني أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية، من أجل تسجيل الانتهاكات البشعة التي كانت تقوم بها قوات الاحتلال أثناء اجتياح المخيم. قضى بكري خمسة أيام في الداخل وعدسة كاميرته لم تتوقف؛ لتوثيق ما يدور على أراضٍ شبعت من الدماء، ليخرج من هناك إلى روما حاملًا في حقيبته المواد المسجلة التي صنع منها فيلمه، إلى جانب ذاكرة يحملها في رأسه لو علموا بها لصادروها. في ذات العام، خرج الفيلم إلى النور، ليبدأ بعدها مسلسل الملاحقات والمضايقات بحق بكري، حسبما صرح في أوقات سابقة، لما يحمله العمل من أدلة لا يمكن تجاوزها لجرائم ارتكبها المحتل في ذاك الاجتياح، ليتحول الفيلم من مادة سينمائية تسجيلية إلى وثيقة بصرية تاريخية يمكنها أن تدينه في فعلها.

 

السينما والتاريخ

تاريخيًا، هناك جدل كبير حول نوع العلاقة التي تربط السينما بالتاريخ، فيذهب العديد من النقاد والباحثين إلى اعتبار الفيلم وثيقة تاريخية يمكن الاعتماد عليها في تدوين الأحداث التاريخية لشعب ما، وهذا ما أكده المخرج والمؤرخ الفرنسي «مارك فيرو» في كتابه «السينما والتاريخ» عندما تحدث عن تجربته في اللجوء إلى السينما السوفيتية من أجل تسجيل أحداث المجتمع السوفييتي آنذاك. واستنادًا إلى قول فيرو فإنه يمكننا الاعتماد على «جنين جنين» في عملية تسجيل الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني التي وقعت في ذاك الوقت، وما زالت.

 

فيلم يفتح النافذة على الوجع

من يشاهد الفيلم يمكن له أن يلمس جماليات بناء الفيلم دراميًا على الرغم من قسوة المضمون، حيث عمد المخرج إلى استخدام الشهادات التي طرحتها الشخصيات الحقيقية على مدار الفيلم، وتوظيفها في المكان الصحيح، وذلك بتقسيمها على فترات زمنية متباعدة تفصل بينها لقطات للمخيم وتفاصيله، الأمر الذي يجعل المشاهد يتعاطف مع كل شخصية بانفعالاتها التي لا تخمد. كما أن هناك أهمية رمزيّة جليّة رسمها بكري في افتتاح الفيلم عبر شخصية شاب فلسطيني أصم يقدم شهادته على ما حدث، وكأنه يرمز لكل هذا العالم الذي يرى ممارسات المحتل الصهيوني في فلسطين ولكنه يلتزم الصمت.

 

محاولات صهيونية لإخفاء الفيلم

على الرغم من مضي ثمانية عشر عامًا على إنتاج الفيلم، إلا أنه عاود الظهور في الضوء هذا العام، وذلك بعد الأحداث الأخيرة التي عصفت بمخرجه، حيث صدر بحقه حكم من «المحكمة المركزية الإسرائيلية» في منطقة اللد تقضي بإدانته في القضية التي رفعها عليه جندي من جنود الاحتلال بتهمة التشهير وتشويه السمعة، وذلك عقب ظهور الجندي في واحد من المقاطع الأرشيفية التي جاءت في الفيلم. ونص قرار المحكمة على تغريم محمد بكري نحو 55 ألف دولار أمريكي لصالح المدعي، بالإضافة لتحمله تكاليف الدعوى البالغة حوالي     16 ألف دولار. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تضمن أمر المحكمة بإقرار منع عرض فيلم «جنين جنين» في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومصادرة جميع نسخه ومنع تداولها، ليتضح أن هذه الإجراءات أكبر من قضية في محكمة، لأنها تنمّ عن رغبة كبيرة في إخفاء هذا العمل لما يحمله من أهمية.

 

تعويل على المُشاهد والمؤسسة

الكثير من الوعي بقيمة الفيلم، هو ما نحتاجه اليوم كي نستطيع أن نكون من ضمن الدول التي تحاكم الجاني بدليل بصري، فمشاهد الأبنية التي سقطت أرضًا لا يمكن لها أن تضيع في بحار النسيان، ولا الأشلاء التي تدلّت على أبواب أصحابها كذلك، فهي وثائق شاهدة على الحدث ولكنها بالمقابل لا تجد عيونًا تشاهد ولا آذانًا تصغي، ونعزو ذلك لاستهتار المشاهد العربي بقيمة الفيلم السينمائي. ولا نذهب بعيدًا عن هذا المدار، فما أحوج صنّاع المحتوى اليوم لمؤسسات تمنح الدعم لأعمال فنية ملتزمة تضع القضايا الإنسانية نصب الأعين، في وقت نجد فيه المحتل يخصص الملايين لتلميع صورته في الحقل الثقافي، وهذا ما فعله وما يزال، عندما جيّش حملات في الولايات المتحدة الأمريكية لينسب أطباقًا من المطبخ الشرقي لدولته المزعومة، لتظهر فيما بعد حملات المقاطعة للمنتجات التي يستخدمها في عملية صناعة أمجاد لدولة قامت على جثث أبنائها. فهناك تعويل كبير على الوعي الشعبي والمؤسساتي لإدراك حجم المواجهة التي نحن بصددها.