عبد الهادي الركب يكتب: حاتم علي اليوبيل الفضي للدراما الناجحة

على وقع أنغام أغنية "نامي إذًا يا روح" شارة مسلسل أحلام كبيرة، ودّع المحبّون جثمان الراحل حاتم علي، ليوارى الثرى في مقبرة "باب صغير" في مدينة دمشق القديمة، بالقرب من عظماء أثروا المشهد الثقافي في العالم العربي على مر مئات السنين. ولعل من يقترب من أرشيف المخرج حاتم علي عن كثب، يجد أنه كنز معرفي قدّم من خلاله الكثير من الجهود للمكتبة الدرامية العربية  لن يستطيع غبار الزمن أن يجد سبيلًا إليه.

فعلى مدار ثلاثين عامًا، استطاع علي أن يحجز لنفسه مكانًا محببًا في القلوب، منذ وقوفه أول مرة أمام كاميرا المخرج هيثم حقي في مسلسل دائرة النار عام 1988، ليكرس دراسته في المعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل بالمكان الأنسب، ليستمر فيما بعد بطريق التمثيل منجزًا أكثر من خمسة وعشرين عملًا كممثل. ثم توجه في منتصف التسعينيات نحو عالم الإخراج، جاعلًا من تجربته الأبرز عربيًا على صعيدي الشكل والمضمون. وقد لا يختلف اثنان على حقيقة جمال عين حاتم علي الإخراجية، حيث استطاع رسم هوية خاصة به لا تشبه أحدًا، ويكاد المشاهد أن يلمسها في جلّ أعماله دون بذل جهد في ذلك.

إن الروح الخاصة مطلوبة وبشدة في تجربة الإخراج، بل وإنها تتعدى الجانب الجمالي لتصل لدرجة كونها عاملًا أساسيًا في إيصال صاحبها إلى القلوب أولًا ثم إلى عالم النجومية ثانيًا، فتجربة حاتم علي تستحق أن تكون وصفة للنجاح لكل من يريد أن يحذو حذوه في درب الصناعة.

 

مدرسة إخراجية متفردة

أما في عالم الإخراج، فله أكثر من خمسة وعشرين عملًا كان قد وضع توقيعه تحتها، عازفًا في هذه الأعمال على أوتار المجتمع على اختلافاتها، وملبيًا الأذواق جميعها، ما بين التاريخي والاجتماعي والكوميدي، لنجد أن أبرز ما علق في الذاكرة هي الأعمال التاريخية التي برع بنقلها من صفحات التاريخ إلى الشاشة الصغيرة بإتقان مبهر، ليعتبرها العديد من النقاد والمشاهدين بمثابة مرجع تاريخي ومعرفي يعود إليها عند الحاجة. فعلى سبيل المثال، يمكننا تسليط الضوء على الأعمال التي اختصت بتصوير فترة حكم العرب للأندلس، مضيفًا إلى هذه الحقبة جمالًا بصريًا لا حدود له، مستغلًا التاريخ المعماري لتلك الأماكن، لرسم مشهد غني بالأداء وبالصورة، بأدوات إخراجية رشيقة وذكية بعيدة عن الابتذال.

لا يخفى على أحد إتقان علي للأعمال التي عرضت على موائدها قصص شخصيات حفرها التاريخ بماء الذهب، كأن نتحدث عن "صلاح الدين الأيوبي" أو "عمر بن الخطاب" أو "الزير سالم" ، فكان الأكثر إقناعًا في تقديمها، والأبرز في تكوين الملاحم على الشاشة الصغيرة، لما تمتع به من صدق في نقل الرواية في زمن يندر به تحقيق ذلك، بالتعاون في جلّ نصوصه مع السيناريست الأردني وليد سيف.

وعند الحديث عن سمات التجربة التي قادها حاتم علي في العبور بأعماله من الإنتاج المحلي السوري نحو الوصول عربيًا، فإنه لا يمكننا إغفال دخوله إلى سوق الإنتاج المصرية التي يصعب على كل من جاء من الخارج الخوض في غمارها، لأنها سوق مكتملة النضوج في النص والأداء والإخراج، إلا أنه أثبت نفسه وبشدة عند تقديمه قصة آخر ملوك مصر "الملك فاروق" بقالب تاريخي يصعب نسيانه، ومن ثم الخوض في تجربة طرح قصة امتدت داخل أسوار قصر في مدينة الإسكندرية لمئة عام في مسلسل "أهو ده إلي صار".

أما تحت مظلة الأعمال الدرامية الاجتماعية، فقد كان حاتم علي الأقرب إلى قلوب أفراد العائلة العربية، حيث أنه وحّد الآراء على قدرته في تصوير هموم الإنسان العربي المتشابهة على اختلاف مكانها، فكان "أحلام كبيرة" على سبيل المثال لا الحصر أنموذجًا على أحلام فئة كبيرة من الشباب، أحلام لم تكتمل وبقيت على شكل ندبة في الذاكرة. أما مسلسل "الفصول الأربعة" فكان الأقرب والأكثر دفئاً لتميزه في إسقاط أحداثه البسيطة والذكية على كل عائلة عربية، وسط منزل مملوء بالحب والفن والنقاشات الرشيقة، بالكاد علينا إزالتها من الأرواح كشريط ذكريات يضجّ في البال، كشريط الوجع الذي يمرّ عند مشاهدة مشهد من "التغريبة الفلسطينية"، حيث يعتبره البعض الأقسى في تاريخ الدرامية العربية لما يصوره من ويلات ذاقها الشعب الفلسطيني على مر نضاله ضد الكيان الصهيوني، فجعل علي من هذا العمل وثيقة تاريخية تصفعها الإنسانية في وجه الاحتلال.

 

حاتم علي..  بوابة أدخلت الكثيرين

 من يتابع أعمال حاتم علي يدرك جيدًا أن علي تمسّك بمشروعه وحافظ على ثباته رغم اختلاف السنين، وظروف الإنتاج، وتعقّد الصنعة الدرامية وتبدلها بشكل جذري بين قبل ربع عقد وبين الآن، ليتحول اسمه من مخرج للمسلسل يذكر في آخر الشارة إلى بوابة لمدرسة تخرّج كل من دخل منها نجمًا، فشكلّت أدوار الشبان تحت يديه فرصة للمعان ولو كان الدور لمشاهد معدودة فقط، فأعماله تهادن الجميع وتحفظ حقوق كافة الممثلين، وهذا ما هو ضائع اليوم في الأعمال الأخرى، إذ يجري التركيز على البطل وتهمل باقي الخطوط الثانوية، فتصبح فرصة اللمعان لدى الممثل الجديد أقل وتعتمد على عناصر أخرى كالحظ أو الدور الفاقع بالشكل أو المضمون، على عكس حاتم الذي قدّم النجوم الشباب بطبيعتهم، بكامل طاقاتهم وبإيمانهم بثقة العراب بهم.

 

غياب في الجسد، وبقاء في الروح

على عكس ما يحدث اليوم في زمن السرعة الذي نعيش في ظله، حيث يُنسى كل من يغيب، إلا إن حاتم علي رسم لنفسه حضورًا مرموقًا بين الشعوب العربية، وذلك باحترامه المشاهد على مر مسيرته، مما جعل هذه الشعوب تذرف الدموع على رحيله أيام طوال، ولم يتوقف الأمر عند ذلك لتقوم عدة قنوات عربية بعرض أعماله على التوالي تكريمًا لذكراه وتقديراً لجهوده بصناعة وجه مشرق للدراما، ليرحل عنا حاتم علي جاعلًا الحياة فصلًا خريفيًا واحدًا لا أربعة، في ظل الحلم باستمرارية الفن الذي نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى.