العالم يتغير بسبب الوباء.. فكيف يراه مجتمع اللاجئين؟

محمد شما*

تستجيب الدول لمتطلبات مكافحة الفيروس المستجد مع ضمان الحفاظ وصون حقوق مواطنيها. لكن سؤالنا هنا قد يبدو عاديًا: هل تشمل استجابة الحكومات بمواطنين دول أخرى هم لديها بصفة لاجئين؟ 

 

داخل مجتمعات اللاجئين والنازحين يبدو الأمر ليس سهلًا لكنه يقع ضمن مسؤولية الدولة أولا والمنظمات الأممية ثانيًا، لكن الأمر قد يزداد تعقيدًا في المناطق المهمشة والتي يختلط فيها المجتمع المستضيف باللاجئين. نحن أمام مواجهة عالمية لفيروس ما يزال يشكل أزمة للحكومات فاتكًا بالأنظمة الصحية، والمؤكد أن ضحاياه هم مهمشون؛ من فقراء، وكذلك لاجئين ونازحين ومهاجرين.

 

الخدمات العامة المقدمة للمواطنين ليست هي نفسها المقدمة لمجتمع اللاجئين، حتى وإن دافعت الحكومات عن سياساتها العامة التي لا تعرف التمييز في الخدمة بين من يحمل وثائق الدولة من عدمه. على الأقل مع انخراط العالم في مجابهة COVID-19 وسّعت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين نطاق عملها للحفاظ على ما وصفته "سلامة اللاجئين والنازحين داخليًا من أجل التصدي للفيروس من خلال الدعم المنقذ للحياة بما في ذلك المياه والرعاية الطبية ومواد التنظيف". 

 

القطاع الصحي في جميع دول العالم يواجه ضغطًا لا مثيل له، وقد أرُهق أمام أعداد المصابين والحالات الحرجة المحتاجة إلى أجهزة تنفس وعناية حثيثة، هذا فضلًا عن عدم قدرة القطاع الصحي العمومي على استقبال كافة الحالات المرضية الاعتيادية فكيف هو الحال باللاجئين والذي لا يقوى كثير منهم على الذهاب إلى مستشفيات القطاع الخاص.  

 

تبقى مخيمات اللجوء أرضًا يمكن التعامل معها مبدئيًا في مكافحة الفيروس، لكنه ليس بالسهولة المتوقعة، وهو ما تراه رئيسة بعثة  أطباء بلا حدود في الأردن، جيما دومينغيز التي قالت في تصريح منشور على موقع المنظمة إنه "من الصعب جدًا تطبيق تدابير الوقاية من العدوى كغسل اليدين ووضع الكمامة والتباعد الجسدي في مخيّم مكتظ". 

 

هل تأثر اللاجئون أكثر من غيرهم بفعل الجائحة؟ يقول لي الصحفي والمحلل السياسي السوري رفعت محمد إن اللاجئين السوريين تأثروا لأسباب عدة أبرزها تراجع الخدمات الصحية المقدمة لهم خاصة من بعض المنظمات والبعثات الطبية التي كانت تأتي بصورة متقطعة أساسًا.

وإذا كان التأثير المباشر يتمثل بالقطاع الصحي غير المتاح نسبيًا للاجئين، فكيف هو الحال بالنسبة لقطاع العمل والأعمال الذي تأثر أثرًا بالغًا بفعل سياسات الحظر الأولى لانتشار الفيروس ولجوء الأردن إلى حظر شامل ممتد وإغلاق كافة القطاعات وإبقاء بعضها، ما خلف زيادة كبيرة في صفوف البطالة. 

 

تظهر ورقة المنتدى الاقتصادي الأردني بعنوان "أثر جائحة كورونا على العاملين في القطاع غير المنظم" أن نسبة 74.4% أغلقوا أعمالهم بشكل جزئي أثناء فترة الحظر، وعادة ما يلجأ صاحب العمل إلى تسريح العاملين لديه أو تقليص عدد إلى أكثر من النصف. 

يبدو أن العامل غير الأردني متأثر كثيرًا جراء الضرر الواقع على الاقتصاد في الأردن، يشرح الصحفي رفعت محمد إن اللاجئ تأثر كثيرًا على وجه التحديد، خاصة وإن نسبة عالية من اللاجئين يعملون بصورة غير نظامية، أي غير رسمية، "وحتى وإن حصل منهم على تصاريح فهي في مجال أعمال المياومة كالزراعة والبناء، وهي بالكاد تكفيهم قوت يومهم، ومع تفاقم الجائحة وإجراءات الحظر وإغلاق العديد من القطاعات مثل المطاعم والفنادق، زادت المعاناة مع حرمان عشرات الآلاف منهم من فرصة تأمين الحد الأدنى من حاجاتهم".

مقابل ذلك، يوصي *1 المرصد العمالي الأردني التابع لمركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية بتطوير واعتماد إطار قانوني شامل يقر بالمساواة بين العمال الوطنيين والعمال المهاجرين (الوافدين) في مجال الحقوق الأساسية في العمل.

 

مليون عامل وعاملة غير أردني يعملون في سوق العمل المحلي، تقدر أعداد العاملين غير الأردنيين في سوق العمل الأردني حتى نهاية العام 2019، ما يقارب المليون عامل وعاملة، منهم 348 ألف عامل مسجلين لدى وزارة العمل، و600 ألف عامل آخر غير مسجلين لدى وزارة العمل، ويعملون بشكل غير منظم وبشكل غير نظامي، تشكل العمالة المصرية الجزء الأكبر من هذه العمالة، تليها العمالة السورية التي تزايدت بشكل ملموس خلال السنوات القليلة الماضية. 

 

أزمة فيروس كورونا المستجد كشفت -وفق تقرير المرصد العمالي- عن تقصير واضح في حماية حقوق الإنسان للأشخاص الضعفاء، واستبعادهم من شبكات الحماية الاجتماعية، وكان تأثير استبعاد العمال المهاجرين وغيرهم من العمال المستضعفين من الرعاية الصحية والدعم المالي يهدد حقوق الإنسان ويزيد من خطر انتشار متزايد للفيروس بين جميع السكان، لأن العاملين المصابين لا يستطيعون تحمل العيش بدون أجر، الأمر الذي يجعلهم يخفون إصابتهم بالمرض في حال كانوا مهددين بعدم تغطية إجازاتهم المرضية.

 

وكانت منظمة الصحة العالمية WHO دعت بالتعاون مع منظمات أممية أخرى إلى اتخاذ تدابير عدة وسياسات من شأنها تجنب التمييز بحق المجموعات الأكثر هشاشة ومن بينها مجتمع اللاجئين مع ضمان تزويدهم بالمعلومات الدقيقة حيال إعلانات الدولة في إطار مكافحة تفشي الفيروس وإشراكهم في الخطط والاستعدادات والاستهداف.

 

نشرت المنظمة الأممية إرشادات مؤقتة * 2 حول توسيع نطاق تفشي COVID-19 في عمليات الاستعداد والاستجابة في المخيمات والأوضاع الشبيهة بالمخيمات بالاشتراك مع الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر، والهلال الأحمر، والمنظمة الدولية للهجرة، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. طلبت تلك المنظمات الدول خلال عمليات الاستجابة في الحالات الإنسانية، ضرورة حماية الأشخاص المتضررين من الأزمات الإنسانية ولاسيما النازحين واللاجئين والقاطنين في مناطق المخيمات. 

 

 ثمة قيود أخرى يواجهها اللاجئ، يلخصها الصحفي رفعت بتشديد الإجراءات المتعلقة بخروج وعودة اللاجئين من المخيمات لمنع تفشي فيروس كورونا، وعدم وجود مختبرات خاصة بفحوص الـPCR داخل المخيمات خلال الفترات الأولى من التفشي، مع ما تعانيه المخيمات أساسًا من نقص في الرعاية الصحية وصعوبة تطبيق إجراءات الوقاية بسبب نقص المياه، واستحالة تطبيق قواعد التباعد الاجتماعي في ظل الكثافة السكانية، إضافة إلى تأثير انقطاع الكهرباء وعدم وجود شبكة إنترنت جيدة على موضوع التعليم بعد إغلاق المدارس وتطبيق التعليم عن بعد.

 

القيود لها أشكال متعددة، وما قبل ظهور الجائحة، فثمة إجراءات أمنية مشددة تحول دون حياة طبيعية لدى اللاجئ، وهنا أقصد بالتحديد دخول وخروج حملة الجنسية السوريين عبر المعابر والمنافذ الحدودية، فالذين كانوا في سفر لغايات الدراسة أو الزيارة، يواجهون بمنع الدخول "غير معلل" لكنه بالتأكيد يندرج ضمن تضييق دائم على حركتهم عمومًا.  

 

رفعت يُعاين عن قرب وقائع قيود تواجه اللاجئين بعينهم، فثمة حوادث يواجهونها، منها فقدان حق عودتهم إلى الأردن، "في حال اضطر للسفر، خاصة من لا يملك إقامة في بلد آخر، ما يعني تعرضه لخطر العودة إلى سوريا، وثمة حالات لطلاب حصلوا على قبول جامعي في دول أجنبية تم رفض معاملة الخروج والعودة لهم من الداخلية ما اضطرهم للسفر مع علمهم أن عودتهم باتت مستحيلة". 

 

كيف يؤثر تفشي الفيروس على اللاجئين؟ سؤال طرحته المفوضية السامية لشؤون اللاجئين على موقعها الإلكتروني، وأتبعته بشرح حول أنهم والنازحين ينتمون إلى المجتمع الأكثر هشاشة وضعفًا، وهم معرضون كثيرًا لخطر خلال تفشي مرض فيروس كورونا لأنهم غالباً ما يكون لديهم وصول محدود إلى مصادر المياه وأنظمة الصرف الصحي والمرافق الصحية.

فيروس كورونا لم ينته بعد ومازالت الدول تتنافس فيما بينها لأجل الحصول على مطاعيم لتوفرها لمواطنيها، وما يزال العالم في مرحلة عبور ولم ينته بعد، فهل ستضع حكومات الدول مجتمع اللاجئين في أجنداتها أم أنهم في ذيل قوائمها، وينتظرون النداءات الدولية الخاصة باوضاعهم؟ 

 

المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تفيد في نداء طوارئ (خطة استعداد واستجابة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) بأن فريقها المصغر يتعامل مع قرابة 112 ألف لاجئ سوري في مخيمي الزعتري والأزرق لتلبية احتياجات أساسية من صحة وغذاء ودواء بشكل مستمر ومع تطبيق معايير السلامة العامة. نداء المنظمة لدعم جهودها لمساعدة مجتمعات اللاجئين، سببه آثار انخفاض التبرعات المقدمة لها، معتبرة أنه "علامة مثيرة للقلق" خاصة في العام 2020 الذي شهد أكبر كارثة تكبدتها دول العالم أجمع دون استثناء. 

 

*صحفي مستقل مهتم بحقوق الإنسان وسيادة القانون

___________________________________________________________________

مراجع:

* المرصد العمالي، تابع لمركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية 1  

*أطلقت المنظمة دليلها بعنوان SCALING-UP COVID-19 OUTBREAK READINESS AND RESPONSE OPERATIONS IN HUMANITARIAN SITUATIONS  في شهر آذار، 2020. 2

*رفعت محمد، صحفي ومحلل سوري يقيم في الأردن منذ سنوات3
 

 *رسم الإنفوغرافيك: الأول خصائص العاملين في القطاع غير الرسمي الأردني، المصدر دراسة منتدى الإستراتيجيات الأردني

* رسم الإنفوغرافيك: الثاني أثر كورونا على العاملين في القطاع غير الرسمي، المصدر: دراسة منتدى الإستراتيجيات الأردني