هنا صوتك - "البعض معرّض للمشاحنات بمجرّد أن يشجعوا منتخباً يعارض منتخب الآخرين"

لجين عبد الرحمن تكتب: كأس العالم يكسر الروتين في طرطوس

جرت العادة أن نرث المبادئ والأفكار عن الأجيال السابقة، وهذه المورّثات لم تتوقّف عن كونها جينيّة أو دينيّة، لا بل حتى الآراء السياسيّة لعبت دوراً وراثياًّ لدى غالبيّة الناس، واليوم تدخل الرياضة في هذا السباق أيضاً، فعندما قرّرت ألّا أشجّع أيّ منتخب في مونديال روسيا 2018 انطلاقاً من قراري بالتفكّر واليقظة أمام كلّ اتّجاه سأسلكه؛ تابعت كرة القدم كمهرجان سينمائيّ مشوّق، بعد أن كان تشجيعي في السابق لمنتخب الأرجنتين ينم عن موروث عائليّ.

منذ بداية المباراة الأولى شعرتُ كأنّ مدينة طرطوس تناولت المنشّطات، فالشوارع تزدحم بالناس والسيّارات، والمطاعم تعجّ بالشباب من جميع الأعمار، وكانت الصورة التي علقت في ذهني هي مشهد لجد يمسك بيد طفل أثناء دخولهما المقهى لمتابعة مباراة.

مفاجآت المونديال كانت تشبه صدمات الحرب السوريّة، فالمشجّعون أعطوا الثقة لمنتخبات كانت ترى نفسها، في النصف النهائيّ أقلّه؛ وتتنافس على لقب العالم، وما حصل في السبع سنين الماضية كان يحمل في كلّ معركة صدمة جديدة إلى أن ضجر الشعب، ولم يعد يشجّع فريقه المفضّل الذي منحه الثقة لتحقيق أحلامه.

اليوم وبعد خروج أغلبيّة المنتخبات "القويّة" بدأ الروتين يعود رويداً رويداً لطرطوس، وتوقّف البعض عن متابعة المباريات مثلما امتنع الغالبيّة سابقاً عن متابعة نشرات الأخبار.

في الواقع لم يكن هذا الربط مجرّد صورة اعتباطيّة؛ حيث نلاحظ اليوم تشجيع البعض لمنتخباتٍ معيّنة انطلاقاً من مواقف سياسيّة، فالرياضة اليوم لم تعد تنفصل عن الواقع الحيّ في سوريا بحسب محمّد (24عاماً) الذي كان سيتورّط في مشكلة بسبب تشجيعه لفريق ينتمي إلى بلد لا يتفق الكثير مع موقفه السياسي، ويتابع: "لم أعد أحضر المباريات في الخارج، فأنت معرّض للمشاحنات بمجرّد أن تفرح لمنتخب يعارض منتخب الآخر".

لارا (20 عاماً) تشجّع على حضور المونديال والمشاركة في هذا النشاط، فبرأيها أنّ المدينة تفتقر لسعادة جماعيّة، مضيفة: "ليست لديّ الخبرة الرياضيّة لتقييم المنتخبات، لكن مجرّد المشاركة مع الأصدقاء في حضور المباريات يبعث الفرح، واليوم نحن بأمسّ الحاجة للمشاركة بعد كل ما حصل في البلد".

تضطرّ فرح (25 عاماً) لحضور المباريات في منزلها، فخوف أهلها من الازدحام في المقاهي والمشاكل التي ممكن أن تتعرّض لها منعها من متابعة هذا الحدث في الخارج، تقول: "كم أتمنّى مشاركة آرائي الرياضيّة مع أصدقائي، لكن يبدو أنّ الحرب تدخّلت في كلّ تفاصيل حياتنا؛ حتّى بات أهلي يخافون من أيّ نشاطٍ خارجيّ!".

أمّا فادي (45 عاماً)، صاحب مقهى في طرطوس، لا يحبّذ وجود شاشة أو إنترنت منذ افتتاحه لعمله سعياً لاستمرار التواصل الإنسانيّ بين الشباب. لا يعتبر فادي نفسه ضدَّ الرياضة (مثل كرة القدم أو غيرها)، ولكن الهوس الجماعيّ لمشاهدة المباريات -خصوصاً محليّاً- خاضع في أحيان كثيرة للمواقف السياسيّة تبعاً لرأيه. وعن كسر المونديال للروتين الهادئ في طرطوس، يراه استمراراً لحالات "غريزة القطيع" التي تميّز مجتمعنا حسب تعبيره.

تستعدّ المنتخبات الرياضيّة كلّ أربع سنوات للتنافس على كأس العالم ضمن دولة تُنتخَب و يصوّت لها في الفيفا، في حين يبدو أنّ سوريا أجمَع عليها حكّام العالم لتخوض مونديال يستمرّ للسنة السابعة على التوالي، واستحوذ الغالبيّة على الكرة الناريّة بين صدٍّ وهجوم على مرمى حياتنا، يصدّها القدر مرّة، وتضرب قلوبنا مرة أخرى.