فتاة سورية تجلس وحيدة في أحد مقاهى طرطوس- لجين عبد الرحمن

لجين عبد الرحمن تكتب: "العزوبة الأنثوية".. فرض على سوريات!

كنتُ أحضّر القهوة صباحاً وفجأة عندما سمعت صوت البرّاد اعتقدت أنّ التيار الكهربائي عاد، وفي نفس الثانية تذكّرت بأنّه لم ينقطع في الأصل!، عبر تفاصيل صغيرة كهذه أثّر الوضع العام علينا في حياتنا، لكن يبدو أنّ اطّلاعنا على ثقافاتٍ جديدة لم يؤثّر بشكلٍ ملفت على نظرتنا تجاه النساء، فالمظهر الأنثويّ الجذّاب والاستعراض للعلاقات المثاليّة يملأ صفحات "السوشال ميديا" و يطغى على بعض المقالات والفيديوهات التوعويّة التي ترفع من قيمة المرأة.

قُدّسَت المرأة قديماً حين اعتبرت آلهة الخصب والعطاء ، لكن بعد آلاف السنين كان مصيرها الوأد، وفُرضَ عليها تأدية "واجباتها"؛ فالمرأة في غالبيّة المجتمعات العربيّة وحتّى "الراقية" تُربّى منذ صغرها على مفهوم الخصوبة، و بناء عائلة عن طريق "عقد النكاح" كما يسمى في المحكمة.

بعد تداعي الأزمات في سوريا من نزوحٍ و سفر وموت؛ ازداد خوف الناس في الداخل السوريّ، وعاد التعصّب ليأخذ مجراه بعد ما شهدته سوريا من بدايةٍ لا بأس بها في التحرّر وتقبّل الآخر. حيث تشهد مدينة طرطوس غطاءً يتّسم بالانفتاح لكنّه يخفي تفاصيل تقوم على نوعٍ من التدريب للدخول في الحياة الزوجيّة أو البحث عن "عريس".

ميس (21 عاماً) ودّعت صديقها الذي بنت معه ملجأ السنة والنصف لتهرب عبره من الضغط الذي كان يلازمها في منزل العائلة، في البداية كانت تصف لنا الارتباط القويّ والروح المعنويّة العالية التي كانت تجمعهما عبر شاشتين، لكن فيما بعد استفاقت على واقع الافتراض الذي كان يسيطر على علاقتهما، ففضّلت الانفصال والرجوع لحقيقة الواقع الذي يحمل عبئاً من أهلها من جهة، واحتمالات تقلّ كل يوم من جهة ثانية.

تضيف الشابة العشرينية: "معاييري للارتباط ما تغيّرت وقلّة الشباب بالبلد ما غيّرت من تمسّكي بالحبيب، قبل كان تمسّكي فيه هوي خوف من فقدانه، وبعد ما سافر فقت ولقيت الانفصال حل مناسب".

حاول كرم ضويّا  (28 عاماً) التعامل مع فقدان الأمل للعودة إلى الوضع الطبيعيّ، فبعد استنفاذه سنوات دراسته في كليّة الصيدلة اضطرّ للالتحاق بالخدمة العسكريّة. كرم يرى أنّ الارتباط في وضعٍ كهذا صعب على شاب راتبه لا يكفيه، يقول: "العسكريّة طبعاً بتأثّر على الارتباط فقصة البعد بين الطرفين مو سهلة، وما بضل شي من الوقت بين إيدينا حتى نبلش حياتنا لبعد ما تخلّص الخدمة".

خلال محادثتي مع سالم سلمان (30 عاماً) – رسّام وصاحب "غاليري ABBEY ROAD"، التي نجحت بعد محاولات الاتصال العديدة بالانترنت، وصف معاناته خلال حياته في البلد قبل سفره، فعمله "كفنّان" أعطى من حوله نظرة استباقيّة عنه، وفي رأيه "هاد شي طبيعي" فالفتيات غالباً ما يجذبهن الشاب المبدع والفنّان الذي يجمع بين قدراته الذهنيّة وخياله الجامح، يتابع: "بعض الأحيان كانت تصير مواقف محرجة من قبل البنات، وهاد الشي سبّب مشاكل لعلاقتي العاطفيّة، خاصّة انو عدد الشباب قليل اذا بدنا نقارن بالبنات"، أمّا عن العلاقة التي استمرّت لفترة قصيرة نسبيّاً بعد سفره "تحوّلت لعذاب للطرفين والبنت صار العبء عليها كبير، بالغربة الوحدة صعبة، دايما بحاجة طرف يدعم الآخر، والخيارات التانية عم تكون سيئة لأن الشخص بحاجة للاستقرار العاطفي، بس كعلاقة عن بعد عم تكون غير متكافئة وعم تأثر عالحياة الاجتماعيّة للشباب والبنات".

أمّا جوليا، طالبة أدب انكليزي سنة ثانية، ترى أنّ السفر ليس خياراً للشباب فقط، وإنما الأمر فرض على الفتيات أيضاً، فإلحاح الأهل للعثور على "عريس" مناسب بات مزعجاً، كما أنّ الحياة هنا غير متوازنة.

"الغلط انو يكون السفر لغاية الارتباط أو الزواج مو لتأمين المستقبل، وبهي الطريقة رح يكون مبني عأساس غلط كليّاً" تقول الفتاة العشرينية، وبالنسبة لمعاييرها في اختيار الشباب لم تنخفض، فالنوعيّة أهم من الكميّة على حدّ تعبيرها.

برأي الكاتب سامر عبّاس أنّ الانعكاسات الاقتصاديّة والاجتماعيّة قد أفرزت عدّة ظواهر كتأخر معدّل سنّ الزواج بالنسبة للإناث والذكور بسبب الأوضاع الاقتصاديّة وازدياد رغبة النساء بالاعتماد على أنفسهنّ ودخول سوق العمل، كما أنّ الحرب والإحباط العام ساهما بانتشار مظاهر التفكّك العائليّ، وميل نسبة من النساء للجنوح لأعمال الدعارة.

قلّة الاحتمالات لم تشمل الشباب فقط، بل أيضاً جميع جوانب حياتنا هنا، الكتب والأفلام والموسيقى والأصدقاء والمثقفين والمتحرّرين، وأصبحت أداة النفي "لا" ترافق جميع الاحتمالات التي تمنيناها.. التي طمحنا لها، لتبدو البلد نظيفة من كلّ شيء... نظيفة من أفكارنا.. من كلِّ منّا.