هنا صوتك - أحد نشاطات المتطوعين في مركز إيواء بطرطوس/ نغم سلمان.

لجين عبد الرحمن تكتب: اندماج الثقافات عبء على السوريّين

الاختلافات الكبيرة بين الأوروبيّين والعرب لم تمنع المدنيين من استقبال المهجّرين من على قوارب الهجرة، حيث كانت أفواج المساعدات الغذائيّة والطبيّة تنتظر كلّ يوم عشرات العائلات لاستقبالها و العناية بها، وهذه ليست بالمرّة الأولى التي استقبل فيها الأوروبيّون اللاجئين، كألمانيا التي فتحت أبوابها لموجات لجوء عديدة كان آخرها اللجوء السوريّ.

الغرب لم يضع حاجز الخوف من شعوب تختلف عنه جذريّاً بالديانة واللغة والعادات فضلاً عن الصفات التي بات العالم يُطلقها اليوم علينا، لكن المفاهيم الخاطئة التي كنّا نسمع بها أو تربّينا عليها في سوريا أظهرت نتائجها في غالبيّة المناطق التي استقبلت المُهجرين في الداخل السوريّ، و على الرغم من استقبال سوريا في السابق لمهجرين من الدول المجاورة؛ تبيّن أنّ الحرب الحالية ونزوح السوريّين أنفسهم لمناطق داخلية فاجأت الجميع تقريباً على حدٍ سواء.

اندماج الثقافات كان صعباً على بعض المدن كطرطوس الساحلية التي تتمتّع بطابعٍ خاص. عندما قرّر والدي الانتقال إلى هذه المدينة بعد انتهائي من امتحانات الثانويّة العامّة؛ شعرت بأنّه القرار الوحيد الذي اتفقنا عليه يوماً، فانتهت الامتحانات و جئت طرطوس  لتمضية الإجازة، بعد فترة قصيرة صدفت أهلي في بيت جدّي وفي عيونهم نظرات خسارة، فخروجهم الإجباريّ من البيت في العاصمة جعل الانتقال لمدينة العمر وحلمي الطفوليّ -على حدّ تعبير عمري في ذاك الوقت-  أمرٌ قسريّ. في بيتنا الريفيّ البسيط تفرقنا بين بعثةٍ للهجرة وبعثتين لدمشق، وعلى الرغم أنّنا أبناء طرطوس، إلا أننا لم نتلاءم جيّداً مع سكّان المدينة، حالنا كحال كثيرين ممّن هجّروا.

ربّما المناخ الرطب، وانشغال غالبيّة السكّان بالأعمال الزراعيّة، واكتفائهم الذاتيّ بالهدوء الذيّ يخيّم على المدينة؛ جعل من الصعب تقبّل ثقافة جديدة تفرض نفسها في وقت تمتلئ النفوس بالخوف من أيّ جديد. "كنّا نسمع أغلبيّة الأحيان في المواصلات العامّة و الطرق صفات يطلقوها علينا مثل الغريبين، وبالبداية كنّا نتجمّع بمناطق وحدة، بس هلق بتلاقي كتير عالم مستأجرة بالريف يلّي بيئتو ممكن تكون منغلقة أكتر من المدينة" تتحدث لميا (23 عاماً) والتي هُجّرت من حلب قبل خمس سنوات، تدرس اليوم لميا في جامعة طرطوس.

في بداية سكنها واجهت الطالبة الجامعية مشكلة الاختلاط بين السكّان، لكنّها اليوم سعيدة في هذه المدينة، ولا تفكّر بالعودة القريبة إلى حلب "تفاجأت بالانفتاح بين السكّان، وتفاجأت أكتر لما زوجي خلاني شيل النقاب، كلنا هون تعرفنا على ثقافة جديدة كليّاً، كنّا بحاجتا بريف حلب متل أهميّة التعليم، والتعرّف على عادات جديدة".

إلى جانب قيام بعض المستغلّين بزيادة أجرة البيوت والمحال وتشغيل بعض المهجرين في الأعمال التي يترفّه عنها بعض السكّان المحليّين بأجور قليلة، كان البعض يرى خلال السنوات الأخيرة أنّ الحرب طرحت بعض الإيجابيّات في المدينة، فالسكّان فُرضت عليهم ثقافاتٍ جديدة واختلطوا مع المهجّرين، وفي النهاية بدأ الاندماج يأخذ مسراه.

الازدحام في المدينة و افتتاح المحال الجديدة من مأكولات وألبسة جعل المهجّرين يقتربون أكثر من السكّان، و يطلعوهم على حقيقتهم الإنسانيّة، فالخوف في السابق من أيّ تغيير بات اليوم أقلّ حديّة نسبياً.

علي حسن (38 عاماً)، صاحب محل تصليح سيّارات، كان بداية يرفض المهجّرين لكنّ الوقت حلّ هذه المشاعر، فتبادل المعرفة في الصناعة التي يعمل عليها هو وجاره نادر من إدلب؛ فتحت له آفاق جديدة في تقبّل الآخر، يضيف: "جميعنا صاحبتنا مشاعر الخوف في بداية الحرب لأسبابٍ عديدة مثل التهييج الذي كانت تفرضه علينا الوسائل الإعلاميّة وخاصّة الانترنت، إضافةً لتقوقعنا نحنا كمحليين بطرطوس وبالتالي كان هالشي صعب علينا".

أحد العاملين في الرعاية الاجتماعية في جمعيّة محليّة تعنى بالمهجرين (رفض كشف اسمه) يتحدّث عن الاتكاليّة التي دفعت الوافدين في البداية للأخذ بأسباب المعيشة الأساسيّة لعدم وضوح مدّة النزوح، يقول: "بعد ما وفّرنا الاساسيّات بدأنا نحلّ صعوبة التأقلم بالمجتمع، الغالبية اضطروا يتأقلمو لأن مافي بديل، والبعض تجاوب مع البرامج والنشاطات يلي تهدف تسهيل الاندماج بالمجتمع".

وعن الصعوبات التي واجهت النازحين، كان الوضع الاجتماعي بين مدنهم وطرطوس مختلف نسبيّاً، ففي حياتهم كان تعلّم التجارة والصناعة أهم من التعليم، وهذا ما نجحت فيه الجمعيّات والمنظّمات، حيث كان إدخال التعليم في ثقافة المهجّرين ناجحاً في أغلبيّة المناطق، ويضيف: "التعايش صار اليوم بشكل تلقائي، مضى وقت كبير على وجودن هون، مع أنو الغالبية كانت بتفضّل ترجع ع مدينتها وعاداتها الخاصّة".

لكلّ شعبٍ قالبه الخاص لكنّ فرض تغيير شكله هو مشكلة واجهت المجتمع السوريّ بأكمله، ويبدو أنّ ثقافة التعلّم وتقبّل ما هو جديد؛ يتفوّق الغرب علينا بها، فعندما يتوقّف التعليم وتتوقّف الضيافة على كونها واجب أو "موضة" ربّما ستتحلحل معظم المشكلات التي تتعلّق بالمجتمع و تراجعه خلال السنوات الماضية، فالمعرفة عنصر من عناصر التعلّم والتحضّر وليست ترفاً فكريّاً.