Shutterstock - يمنيوين في صنعاء يتصفحوا خبراً في جريدة محلية.

عبد العزيز البدوي يكتب: الإعلام اليمني عندما جرفته السياسة!

في الكلية جمعتنا مقاعد الدراسة لمدة أربع سنوات كإخوة وزملاء قدمنا من بقاع متعددة يجمعنا الانتماء لوطن واحد، ويدفعنا الطموح لشغل حيز في عالم الكلمة والقلم في كوكب يعج بوسائل الإعلام المختلفة.

لكن تلك الزمالة لم تستمر كثيراً بعد مغادرة مقاعد الدراسة فسرعان ما ذهب العديد منا إلى ميدان العمل وانخرط في الرؤية والتوجه السياسي للوسيلة التي يعمل بها، وبات يهاجم الوسائل الأخرى وطاقمها الذي يحوي جزء من زملاء دراسته ومهنته، من أجل كسب رضا مؤسسته والقائمين عليها دون أدنى اعتبار لقيم ومعايير الاختلاف ناهيك عن التنكر الفج للزمالة وواحدية الانتماء لذات الوطن الجريح.

لم يقتصر التراشق الإعلامي بين الزملاء على منابر العمل الرسمية، بل تعداه إلى العالم الافتراضي عبر التعقيبات اللاذعة والشتم الجارح على منشورات بعضهم البعض، فضلاً عن التحريض وكيل التهم الكيدية وغيرها من الأساليب المبتذلة التي شكلت منزلقاً خطيراً عن الإعلام المهني الذي يقوم على مواثيق أخلاقية وقانونية رصينة.

تُرى ما الذي جعل قدسية الزمالة تنهار ليصل الحال بالإعلاميين إلى حد البغضاء والتناحر؟ 

في الواقع قدم الإعلاميون إلى الجامعة من بيئات مختلفة، غالبيتهم جاء بخلفية نقية، واضعاً طموحه نصب عينيه وليس له نوايا مبيتة للحصول على وظيفة تمكنه من مهاجمة الآخرين والإساءة إليهم، بيد أنه وجد نفسه في حرم أكاديمي زاخر بالنشاط السياسي والفكري على النقيض من المؤسسات الأكاديمية في العالم، ففي دول العالم يتم ترشيد الأنشطة السياسية وتجفيفها في دور العلم إلا في اليمن يستقبلك سماسرة الأحزاب والجماعات الدينية فور أن تدلف قدماك من بوابة الكلية ويعرضون عليك المساعدة في إنجاز إجراءات القبول ومن ثم تبدأ إجراءات احتوائك في تيارهم، بدءاً بمنحك استمارة العضوية لمؤسستهم أو كيانهم السياسي وانتهاء بتقديمك كواجهة متشددة للتيار الذي احتواك على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

لقد استطاعت السياسة والدين استقطاب المئات من الإعلاميين الواعدين وتمت أدلجتهم بمبادئ وأهداف محصورة تمثل المنفعة الضيقة أول اهتماماتها، لا يهم الوطن ولا التعايش ولا الاستقرار في نظر الساسة وتجار الدين، المهم هو تحقيق مصالحهم الخاصة ولو على أنهار من الدماء كما هو الحال اليوم، وكالعادة استطاعوا استثمار أفكارهم ومشاريعهم الضيقة في مختلف المجالات بما في ذلك الإعلام الذي يعيش أسوأ مراحله على الإطلاق.

الحقيقة المرة التي يجب علينا الاعتراف بها الآن هي أننا لم ننشئ إعلاماً لتنمية الوطن بقدر ما أنشأنا إعلام سطحي وعنتري ومتعصب، والدليل أن كل وسائل الإعلام  الحاضرة في المشهد اليمني هي منابر فتنة وتحريض على الآخر واجتثاثه، ونتيجة لتراكم الرسائل السلبية في العقل الجمعي اليمني بات العنف لغة وأسلوب حياة، ولا مجال أمام أصوات العقل التي تدعو للتعايش ونبذ ثقافة العنف.

مأساة أن تجد إعلامياً يشمت في مقتل أحد زملائه أثناء تغطيته للمعارك ويصفه بالمرتزق والعميل لمجرد اختلاف في التوجه السياسي أو الفكري، وكارثة أن تجد العشرات من الإعلاميين قد قضوا في الحرب وتم استهدافهم عمداً من قبل أطراف النزاع!.

ما أقبح السياسة والحرب، فلولاهما لما تشظى النسيج الاجتماعي ولما أصبح الإعلاميون دعاة حرب وأبواق فتنة بين مكونات البلد الواحد، ولولا السياسة والتعصب لما أصبح الإعلام اليمني في الدرك الأسفل على المستوى المهني والإنساني، ولولاهما أيضاً لما انحدرت القيم وسادت شريعة الغاب بين جميع مكونات العالم طيلة هذه الفترة المنقضية من عمر الحرب.

رغم فداحة المصاب في مهنتنا وما أمست عليه من بؤس وتشوه إلا أن ثمة أمل يحدونا بانقشاع سحابة الحرب عن وطننا الجريح، ومن ثم إعادة صياغة مضامين وأسس المهنة بما من شأنه إعادة اللحمة وتضميد جراح النسيج الاجتماعي لليمنيين والنهوض بالوطن من قاع التشرذم البغيض.