هنا صوتك - مشروع تجرأ / اللاذقية – توما بيطار

نغم سلمان تكتب: لما تتجرأ.. يبدأ التغيير

نفس عميق ...لحظات من التوتر.. فانطلاقة. هي الثواني الأولى من الفيديو الذي سيدخلك إلى عالم "تجرأ" المشروع الذي أطلقه كل من رونق قدار (٢٨عاماً) وتوما بيطار (٢٢ عاماً) مع مجموعة من الشابات والشبان في اللاذقية في نهاية عام ٢٠١٧، ليكون الشارع مسرحهم، الرقص لغتهم، والمارة والبائعون وأولاد الحارة أبطالهم.

"مستحيل هون ... نحنا إذا ابتسمنا بالشارع الكل بيطلع فينا". تعليق من أحد متابعي صفحة تجرأ.

من منكم عنده الجرأة أن يرقص في الشارع دون سبب؟ تتوجه رونق بسؤالها لمجموع أصدقائها. يقفز حسن دون تردد إلى الشارع، يؤدي بضع حركات ثم يعود. يتنامى الشغف بين الأصدقاء وتجتمع الإرادة، فينطلق "مشروع تجرأ" بمقطعي فيديو، الأول بعنوان "الشارع هو بداية أي تغيير، الشارع بيجمع الكل، وبس لما تتجرأ بيبلش التغيير" والفيديو الثاني بعنوان "لقد استيقظت الأشياء فلا تنم أنت".

"ليك كيف عم يرقصوا بحرية". أحد تعليقات المتابعين لصفحة تجرأ.

بين الأزقة والأحياء الضيقة وعلى إيقاع الحياة اليومية الرتيبة يتقدم الراقصون بخطواتهم، تدنيك حركاتهم إلى أدق التفاصيل فيتوقف الزمن المسرع، دوران الراقص يعرقل خطوات امرأة مسرعة إلى العمل أو إلى بيتها من يدري، قفزة في الهواء توقف أولاد الحارة عن لعب الكرة ليحاولوا تقليدها، امتداد الأيدي الملتوية في السماء تدعو نادل المقهى لاستراحة على نافذتها ليتمعن، ميلان الجسد يعجب إحدى "حجيات" الحارة فتصرخ قائلة: "برافوووو".

"لا بيعملوني مسخرة". أحد التعليقات من المتابعين لصفحة تجرأ

الخوف والتردد إلى ما لانهاية ليصبح حلمك في الماضي البعيد، وما أعاقك عن تحقيقه هي نظرة جارك وانتقاد زميلك في الجامعة أو هو اعتقادك أن المجتمع يعيش في نمط دائري مغلق تحكمه صورة نمطية هي "هيك تعودنا". هذا ما عبرت عنه رونق عندما كنا نتكلم عن سبب فكرة تجرأ، لتكمل قائلة "أردنا أن نعبر عن أنفسنا بطريقة تشبهنا.. بطريقة لاتحتاج الكثير من الكلام، وهذا ما اتفقنا عليه". أما علي (٢٠عاماً) وهو أحد الراقصين في مشروع تجرأ ويدرس في الجامعة يضيف قائلاً: "أردنا أن ننزل إلى الشارع ليرى الناس شيئاً مختلفاً عما يروه عادة في طريقهم للعمل. أردنا أن يتوقفوا للحظة ليبتسموا".

"شو عم نستفاد من هالشي". "بدنا ياها بكل المحافظات" تعليقان من متابعي صفحة تجرأ

التعليق الأول عادي لفرد ضمن مجتمع يرى أن الوقت غير مناسب. ربما لأن البلد خارج من حرب ودمار فما الذي سيعني له إن رقصت مجموعة من الشباب في الشارع. إلا أن احتياجات المجتمع ليست واحدة حتى أن أولوياته تختلف من فئة لأخرى. وما علينا سوى أن نعترف بهذا الاختلاف لا أن نلغيه.  بل وأكثر من ذلك، مشروع تجرأ يرى أن هذه اللحظة هي مفرق إما أن نغدو نحو التطور أو نعود للوراء وكل ما علينا هو أن نفكر بطريقة مختلفة. تقول رونق "مشكلتنا أننا نجلس ونقول متى سنتطور؟ متى سنصبح مثل العالم والبشر؟ متى سنتغير؟ المجتمع هو أنا وأنت قبل أن نكون نحن، وإذا لم أبدأ أنا أو أنت فمن سيبدأ إذاً ومتى؟!"

"شو يااا خلصت هز خصر"

عبارة يقولها أحد الأقارب لعلي أثناء عودته من النادي. بينما ميرنا ذات (٢٥عاماً) والتي أنهت دراستها الجامعية هاتفت والدتها لتعلمها بانضمامها إلى مشروع تجرأ، أما إخبار الوالد فبدا أنه مشروع مؤجل. مشروعهم الذي تحدى نمطية المجتمع جعلت شباب "تجرأ" يواجهون العديد من التحديات، ففضلاً عن تحدياتهم العائلية يواجهون تحديات أخرى منها ما يتعلق بالدراسة وإكمال الشهادة الجامعية ومنها ما يتعلق بالعمل وتحقيق استقلالية مادية لمن أنهى دراسته.

الوقت ضيق.. المسؤوليات كثيرة والحلم كبير

إن كنت تعتقد أن مشروع تجرأ هو للرقص فقط، أو أن غايته نشر الرقص في الشارع، ربما تعيد التمعن جيداً في مقطعي الفيديو. فعين توما التي تقف وراء الكاميرا والتفاصيل التي تعيد رونق تصميمها وعلي وميرنا وحسن ولارا ومحمد الذين يعيدون الحركات مراراً وتكراراً ليتقنوها، وبحثهم المتواصل لاختيار الزوايا والأمكنة، لم يكن عبثياً. كل مقطع فيديو يبصر النور بعد جهد أشهر من العمل. الرقص لم يكن إلا لغتهم ليقولوا لك أعد التفكير قليلاً.. تنفس بعمق ..ثم تجرأ ..ليبدأ التغيير منك أولاً.