هنا صوتك - فيضان البطالة يغرق طرطوس - تصوير: نغم سلمان.

لجين عبد الرحمن تكتب: فيضان البطالة يغرق طرطوس

بعيونه الحزينة وتجاعيد وجهه المتعبة كان كبطل سينمائي لفيلم طويل، كلّ يومٍ تقريباً أشاهد غصناً يرفع يده معلّقاً عليها علبة محارم، فالعلاقة بين أبو أحمد وعلبة المحارم كعلاقة الشجرة بثمارها، مثله كثيرون كالأطفال بائعي الحلوى وعمّال النظافة الذين يكرّرون المشهد حتى يظهر نظيفاً للمشاهد، وينتظر المشاهدون في المقاهي دورهم لساعات وساعات وأيّام وسنوات حتّى يبدؤوا بعملٍ يشغلهم عن الفراغ الذي ملأ حياتهم.

انتشرت المقاهي في طرطوس بشكلٍ غريب ومريب في السنوات الأخيرة التي كانت هي السبيل الوحيد ربّما للهروب من الفراغ ما بعد التخرّج أو حتى  قبله. فاليوم يعمل أغلبيّة الشباب في المقاهي التي تعتبر من أكثر الأعمال المتاحة، حيث لا تكمن الشهادة والخبرة في أولويّات صاحب العمل، فجسم الفتاة و ابتسامتها كما الشاب الذي يهتمّ بحديثه اللطيف وجسده القويّ اليوم أمست المطلب الأوّل غير المباشر لأصحاب المطاعم أو المقاهي.

فرح ذات العشرين عاماً طالبة الأدب العربي تجبرها ظروفها على العمل في مقهى للشباب، وترى أنّ أغلبيّة طلّاب الجامعات يرتاد المقاهي لأنّه النشاط الوحيد الذي يمكن في المدينة، فلا عروض ثقافيّة تذكر، ولا إمكانيّات ماديّة للنشاطات الرياضيّة مثلاً، تضيف: " في البداية كان هذا العمل ممتعاً لكن بعد فترة ستصاب بتعب نفسيّ، فتعاملي مع الشباب على مختلف الأنماط و النفسيّات سبّب لي الكبت، فأرجع إلى البيت منهكة، وهذا ما أدّى للتراجع الكبير في دراستي وحتى حياتي الاجتماعيّة، ناهيك إن حالفك الحظ بربّ عمل لطيف!".

بدأ هذا الكسل يسيطر على حياة غالبيّة الشباب، لكن عمر(26 عاماً)، خرّيج كليّة العلوم، تحدّى هذا الفراغ بعد أن باءت محاولات العمل باختصاصه بالفشل، خاصّة بعد طلب أغلبيّة الجهات خبرة عمل لا تقلّ عن ثلاث سنين تقريباً!. عمل عمر كمدرّس في المدارس الحكوميّة بنظام الساعات لكن هذا العمل على حدّ قوله كان يشبه حساء الحجارة. ويكمل: "هاد الشغل بعمرو ما زاد خبرتي باختصاصي ولا كان الراتب يغطّي أجرة المواصلات بسبب مكان المدرسة البعيد"، وبعد هذه التجارب ارتأى أن يعمل ك "نابر زيتون" حسب التعبير الطرطوسيّ، فأجرة العامل الواحد لقطف الزيتون في اليوم يتراوح بين الثلاثة والخمسة آلاف ليرة سوريّة، "الشغل بالجهد الفكري هون بعمرو مارح يقدّملي عيشة ولو متوسّطة بالراحة الماديّة والفكريّة، هون الجهد العضلي هوي الحلّ الوحيد".

انقسمت الطبقات بعد الحرب إلى طبقتين تقريباً الغني والفقير، البطالة والعمل، وصاحبي الواسطات ومقطوعي الصلة. في مقابل الانتشار الكبير للبطالة والأعمال التي لا تتطلّب شهادة دراسيّة تكاثرت الجمعيّات الخيريّة و تكاثر عاملوها على مختلف المستويات الثقافيّة والتعليميّة، فكان عليك أن تعرف موظّف ذا مكانة وظيفيّة عالية لتعمل في الجهة التي تريد، وهذا لم يتوقّف فقط على الجمعيّات الخيريّة، لا بل تعدّى لأغلبيّة الشركات والأماكن التي قد تقدّم لك راتب يكفيك و أحياناً يزيد. "لا تعد طرطوس منطقة حرب, وهاد خلّا شغلي بهي المنظمة ما يكون متعب قد شغل المناطق المنكوبة بسوريا، شغلنا كان بيتطلب توزيع معونات أو نملي استبيانات بغالبيّة الأحيان"، حسب عيسى (30 عاماً) خريج ثانويّة عامّة الذي كان يعمل في إحدى المنظمات الإنسانيّة في طرطوس، يقول "أحياناً كنا نطرح مشاريع، لكن أغلبيتنا منعرف انو تمويل أي مشروع بالمنظمات هون كان عم ينسرق منو وما كنا نحكي لأن هاد الشغل كان أحسن من أيّ شغل تاني رح اشتغلو".

سعيد (40 عاماً)، خريج علم الاجتماع، يرى أنّ المشكلة تكمن في البيئة التي نشأ فيها الإنسان, "ففي البيئات الداخليّة والأرياف نرى أنّ الطفل يعمل منذ بلوغه مع والده في الأعمال الحرّة، كالتجارة والصناعات المختلفة، وهذا ما حقّق له في الكبر عملاً يصرف منه، أمّا إذا نظرنا للمدن التي يعتبر فيها التعليم والشهادة الدراسيّة هي الأولويّة في حياة الطفل حتّى يكبر؛ سبّب مشكلة له هنا فقط، فنحن في حرب، والتعليم الآن لم يعد سوى ثقافة أو ورقة يأكلها الدود، وهذا ما أدّى لهذا التدهور في حياة الشباب للحصول على عمل".

على الرغم من الانطباع الذي تعكسه المدينة لزائريها، لا تزال حال الشباب تزداد تعباً وإحباطاً من المحاولات الفاشلة في الحصول على عملٍ يوفّر تلك الحياة ذات الشكل والمضمون الإنسانيّ، لكن في بلدٍ تعصفه الحرب بات من الصعوبة اجتياز السيول وتفادي الفيضانات دون الدفاع عن الفساد والركوب على موجه، فتجارة العهر والسلاح أصبحت نجمة الصفحات الأولى في سوق العمل.