الظروف الاقتصادية التي فرضتها الحرب على الداخل السوري أثّرت أيضاً على التقدير المادي لقيمة العمل.

الفن في الحرب.. قيمٌ تصعد وأخرى تهبط!

لماذا كان توقيع بيكاسو على فاتورة المطعم كفيلاً بدفع ثمن وليمة لأربعين شخصاً؟ ولمَ «يولد البعض بعد موتهم»؟ كما يقول نيتشي واصفاً تأخر الاعتراف ببعض المبدعين، كفرانز كافكا  وفان كوخ وغيرهم.

لا يمكن القول إن جدل إضفاء أو نزع القيمة عن العمل الفني أمرٌ جديد، لكن الحرب السورية أعادته إلى دائرة الضوء. تحديداً في ظل معاناة فنانين كثر، في الداخل والخارج، من صعوبة تقدير قيمة عملهم الحقيقية، ما انعكس في المحصلة على تقديرهم لذواتهم ومكانتهم. فالحرب عبثت بالمعايير التي تُقَيّم على أساسها جودة أي عمل فني بعيداً عن معايير الفرادة والجدة و الإتقان وغيرها.

بدا الأمر كما لو أن الغرب فطن فجأة إلى الرسامين والكتاب والموسيقيين السوريين. بحيث بات العالم أشبه ببرنامجٍ ضخمٍ لاكتشاف مواهب منكوبي الحرب، فالجمهور مولعٌ بقصص نجاح الأشخاص المغمورين الذين «خرجوا من قلب الركام» وأنجزوا أعمالهم الفنية تحت زخات الرصاص والقذائف.

في المقابل، لم يكن الوضع في الداخل السوري بأحسن حالاً، فمعايير القيمة اختلت أيضاً إثر هجرة الكثير من الأكفاء والموهبين بحيث باتت الساحة خالية لآخرين أقل موهبة كي يبرزوا ويتصدروا المشهد الثقافي. وحتى أصحاب المواهب الحقيقية الذين رفضوا الدخول في البازارات الثقافية والفنية بدأوا بالتشكيك بقيمة عملهم الحقيقية مرددين بسخرية: «ربما لسنا في نهاية المطاف الأفضل، لكننا الوحيدون!».

الظروف الاقتصادية التي فرضتها الحرب على الداخل السوري أثّرت أيضاً على التقدير المادي لقيمة العمل. وتحديداً فيما يتعلق بالمهن «العابرة للمحيطات» التي تتم عبر المراسلة مثل تنفيذ مشاريع معينة أو الاستكتاب لصالح جهات خارج سوريا. تحت ضغط الحاجة الاقتصادية قَبِل الكثيرون على مضض بشروط عمل مجحفة حولتهم إلى عمالة رخيصة. كما لو أن هناك ازدواجية في النظر إلى المتضررين من الحرب السورية بحيث يتم توظيف معاناتهم لأغراض تسويقية، ويتم في الوقت ذاته استغلال حاجتهم المُلحة للعمل لتحقيق ربح اقتصادي. وفي كلتا الحالتين تصبح قيمة العمل أياً كان محط شك.

يحلو للحرب أن تتلاعب بالقيم نزولاً أو صعوداً؛ تضفي قيمة قد لا تكون موجودة على بعض الأعمال أو تنزع القيمة عن أعمالٍ أخرى وتجردها من أهميتها. بحيث يشعر البعض اليوم بأنهم أسهم في البورصة، يخضعون لقوانين انخفاض وارتفاع سعر الصرف كالعملة تماماً. الملفت في الأمر أن تركيز الجمهور لا يكون مُنصباً على العمل نفسه، سواء كان لوحة فنية أو قطعة موسيقية أو نص أدبي، بل يصبح منصباً على الفنان الذي بات هو «المُنتج الفني» وليس عمله.

والحقيقة أن اختلال معايير تقييم العمل الفني جدلٌ مغرق في القدم. إذ كان هناك على الدوام قيمٌ مضافة يصبغها الناس على هذا المنتج الفني أو ذاك بالنظر إلى اعتبارات سياسية أو فنية أو اقتصادية. فأزمة القيمة لا تخص فقط الحرب السورية، ولا تقتصر على أصحاب المواهب الناشئة، بل كانت حاضرةً أيضاً في تعاطي الرأي العام مع القضية الفلسطينية. نستذكر هنا كلمات احتجاج قالها الشاعر الراحل محمود درويش في إحدى المقابلات الصحفية معترضاً على حصره في خانة الرمز: «ربما هو الحظ الذي وفّر لي هذه المكانة. أما أن أسعى إلى أن أكون رمزاً وأحرص على أن أكون رمزاً، فأنا لا أريد ذلك، أريد أن ينظر إليّ من دون أن أُحمّل أعباء رمزية مبالغاً فيها».

في المحصلة؛ لا يجب إنكار أن الحرب كحدث استثنائي، تفرض سياقها الخاص في الحكم على قيمة العمل الفني. فالقدرة على إنتاج فن حقيقي وعميق ومبتكر ضمن ظرفٍ صعب يفتقد إلى أبسط الإمكانيات ليس بالأمر السهل. لكن مصدر الخوف يكمن في استسلام بعض الفنانين السوريين للكسل، بحيث يظنون بأن العالم سيحتفي بأي شيء يقدمونه فقط لأنهم كانوا بصورةٍ أو أخرى ضحايا الحرب، حتى يمسي من الصعب عليهم الحكم بموضوعية على جودة عملهم بعيداً عن سياقها.

ستنتهي  الحرب ولو بعد حين، وعندها سيواجه الشبان الواقع كما هو، دون تسهيلات أو تعقيدات إضافية. سيحتاجون حينها إلى بذل جهدٍ حقيقي والتنافس مع آخرين غيرهم كي يثبتوا مكانتهم وتفردهم وإبداعهم.