وقفة نسائية تضامنية.

لامار إركندي تروي: جرائم "اللا شرف" في القامشلي

لم يخطر ببال "فلك" العروس العشرينية أن يتحول يوم عرسها إلى كابوس ينهي حياتها على يد عريسها ليلة زفافها، لتزف إلى مقبرة مدينة عامودا -شمال شرق سوريا- قبل حوالي العامين، بعد أن سكبت في قلوب أهل مدينتها الصغيرة جرحاً لن يندمل، بعد أن خطفت سنوات عمرها بطعنات سكين على يد من عاهد أن يحميها ويحترمها ويحبها حين اختارها لتكون زوجاً وأماً لأطفاله، هذا ما قالته "دعاء أحمد" موظفة في محكمة الجنايات في القامشلي.

ارتفعت الهتافات المنددة بالجريمة النكراء مناديةً بمحاكمة الجلاد لا الضحية في وقفات تضامنية للنساء، ومنظمات الدفاع عن حقوق المرأة  في المدينة، وطالبت بأقسى العقوبات للقاتل "آلان رستم" بعد قتله لزوجه وشق فمها واقتطاع لحم كتفها وتشهيره بجريمته البشعة على أنها جريمة شرف ليتملص من عقوبة جرمه، و تردف دعاء قائلة: "القاتل يواجه الآن حكماً بالمؤبد"، تلك العقوبة يصفها "عماد اسماعيل" شقيق فلك بغير المنصفة والعادلة، لاسيما وأن الجاني اعترف للأمن الجنائي في القامشلي أن عجزه الجنسي وخوفه من افتضاح أمره دفعه إلى ارتكاب جرمه.

إسماعيل طالب بتشديد العقوبة إلى الإعدام، وهو أمر حسبما تحدث، بالغ الأهمية ومن شأنه أن يحقق الردع لكل من تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه الجرائم، ويعتقد عماد أن الحكم بالحبس يشجع على ارتكاب تلك الأفعال، ويجب أن يكون هناك أحكاماً وتدابيراً وقائية جذرية ضد زهق أرواح لأسباب تافهة.

تشارك أم عنود "اسم مستعار" ذات الجرح، هي نازحة من دير الزور منذ 2013، فقدت ابنتها عنود قبل ثلاث سنوات بسبب أنانية شقيقها كما تقول وتتابع: "بعد دخول جبهة النصرة لديرالزور وبعدها داعش نزحنا مع أولادي الخمسة إلى مدينة القامشلي، اضطررت لتزويج عنود لابن عمة والدها وهي لم تبلغ الرابعة عشرة من عمرها، لكن لم أتخيل أني أدفعها إلى الموت بيدي دونما قصد، صورة عنود لا تبرح مخيلتي ليل نهار وهي كانت تأتيني باكية تشتكي من سوء معاملة زوجها لها، وفي آخر مرة صممت على الطلاق، وأخوها وكدأبه أجبرها على العودة لبيتها، ولم أدرك بأنه كان يفعل ذلك لغاية في نفسه،  فقد كان مغرماً بشقيقة صهره".

وتتابع الأم الثكلى وبحرقة موجعة: "أنانية شقيقها دفعته للتهجم عليها  بسكين، ولم يتركها إلا جثة هامدة بعد طعنه لها بسبع طعنات، فاراً عبر الحدود إلى تركيا عن طريق مهربي البشر، هي ماتت و مازال أقرباؤها يتهمونها في شرفها عندما يدعون بأنها كانت جريمة شرف لكن الباري شاهد على أن صغيرتي طاهرة".

حكم الشريعة والقانون

العلامة الإسلامي والمشرف العام على مؤسسات الشؤون الدينية  في منطقة الجزيرة "دوران الهاشمي" ذهب إلى أن قتل المرأة لمجرد الشك أو الوشاية ثم ادعاء القاتل أنه قتلها بحجة الشرف؛ هو قاتل يجب قتله قصاصاً وإن تهاون القاضي بالقصاص بسبب إدعاء القاتل (مسألة شرف) فهو شريك القاتل في الإثم".

مضيفاً: "قتل النساء تحت مسمى الشرف وتهاون القضاة بالاقتصاص من الفاعلين زاد من انتشار هذه الظاهرة السيئة في المجتمع، فالكثيرات من النساء ‏كنّ ضحية لهذه العادة البالية التي لا تمت للإسلام بصلة".

الدافع  إلى ارتكاب الجرم سلاح ذو حدين، فقد يكون سبباً في تشديد العقوبة أو في تخفيفها، وهذا الأمر جلي في قانون العقوبات السوري في المواد ( 191-192-193) كما يوضح المحامي خالد عمر- عضو اتحاد محامي الجزيرة-  قائلاً: "يعاقب بموجب المواد (533-534-535) على جرائم القتل، وعليه فإذا ثبت للمحكمة أن القتل من دون قصد فالعقوبة تترواح بالسجن بين 15 -20 عاماً، وإن ثبت أن القتل كان عمداً  فالإعدام  يخفف إلى السجن المؤبد".

طغى العرف على الشرع

اعتبرت "عزيزة فرحو"، مسؤولة منظمة الدفاع عن حقوق المرأة، القانون ظالماً وخالياً من القيم الإنسانية والإخلاقية، ويصب في صالح الجاني تحت مسمى الشرف والاغتسال من العار، فالقانون الذي يبرئ الجاني ويقذف بالمرأة لتكون ضحية هو قانون مجرم بحد ذاته".

قتل النفس البشرية في كل الأديان جريمة كبرى، ويستوجب على السلطات تغيير قانون العقوبات الخاص بجرائم الشرف وتشديد قبضتها على مرتكبيها بغض النظر عن مبرراتها، وتوفير الحماية للضحايا، بما في ذلك تأمين المأوى للمعرضات للخطر، ومكافحة الأعراف البالية، عن طريق التثقيف وتوعية المجتمع وتهيئته على كافة الأصعدة النفسية والتربوية والتثقيفية والمهنية لمواجهة هذه الكارثة التي تعصف بمجتمعنا منذ مئات السنين.