هنا صوتك - من أحد مراكز الإيواء في ريف دمشق - أميرة مالك.

أميرة مالك تروي: 12 ساعة في مركز الإيواء

أم وأب يدعيان على ابنهما الوحيد؛ الذي أتى إلى الموكز لرؤيتهما، ولكنه لم يكفلهما لأخذهما إلى بيته خارج هذا المركز بحجة عدم وجود إمكانية لديه، كل ما فعله هو الاطمئنان عليهما وإحضاره لبعض الحاجيات والمغادرة بعدها، كانت تلك أولى الأصوات التي سمعتها عند دخولي مركز معهد الكهرباء بعدرا في ريف دمشق.

تتحول اليوم كل الصور التي كنت أشاهدها منذ أيام في الإعلام إلى حقيقة، إنه يومي الأول في أحد مراكز الإيواء المخصصة للأهالي الخارجين من الغوطة الشرقية عبر المعابر التي تم تأمينها لهم.

شابة بعمر 22 عاماً بحاجة الى الاستحمام؛ فقد مر على ولادة ابنها 7 أيام، وأصبح من الضروري حسب معتقداتها وعاداتها الاستحمام: "هلق ببلش يصير الحليب مسمم إذا ما تحممت؛ وأنا كتير خايفة على الولد لأنو بلش يصير أصفر" . أولى القصص التي سمعتها أثناء البدء بتنفيذ المهمة الموكلة لي وهي تسجيل أسماء ومعلومات السيدات اللواتي يدخلن لتحميم أطفالهن وفق الدور المعطى وحسب التسلسل.

هذه الشابة كانت تطلب الدخول استثنائياً دون وجود رقم لديها؛ ودون أن يكون الحمام مخصصاً للسيدات، فهذه الحمامات التي تم تجهيزها بأساليب بدائية؛ هي فقط مخصصة للأطفال نتيجة انتشار وباء "القمل" في شعرهم، وبالنسبة للنساء غير مهيأة كفاية وتفتقر للخصوصية.

يأتي ولد ملهوف إلينا بعد معرفته بوجود أطباء وطبيبات ضمن فريقنا، يصرخ منادياً: "ماما كتير تعبانة ولازم حدا يشوفها"، مريم التي أنجبت توأمين بعملية جراحية داخل قبو في أحد الأبنية، أجراها طبيب داخلية غير مختص، ولكن ظروف الحياة هناك كانت السبب في ذلك؛ تعاني مريم اليوم من حرارة شديدة تسببت لها بارتعاش وتعرق لا يوصف، بالإضافة إلى التهاب أمعاء حاد.

كانت غير قادرة على الكلام من شدة التعب؛ لا تقول سوى "الله يعطيكن العافية"، زوجها كان مرتبكاً يتجول حول الأطباء ويقول "لا تواخذونا على هالفوضى؛ مهما رتبنا ما عم يمشي الحال"، يشعر بالخجل من خيمة وضع فيها غصباً عنه.

"الخوف كان سيد الموقف؛ فالنية الطيبة في مهنتنا لا تكفي، كان لدي خوف كبير من تشخيص الحالة بطريقة خاطئة؛ كررت الأسئلة نفسها بطريقة مختلفة عدة مرات لأتأكد، سيما أن أدوات الفحص التي معنا بسيطة جداً"، يصف عمار، أحد الأطباء الذين أسعفوا مريم، مضيفاً: "لم أطمئن حتى قمت بزيارتها قبل مغادرتي المركز ليلاً؛ وتأكدت من أن حرارتها انخفضت وبدأت بالتحسن".

"رغم وجودي في سوريا؛ إلا أنني أعتبر نفسي في عالم آخر، فالقصف بالنسبة لي مجرد صوت؛ بينما هو في مكان آخر حياة تنتهي؛ أحلام تضيع ومنازل تتهدم، سأغادر البلد قريباً؛ ويجب أن أبقى محتفظة بكل هذه الصور في ذاكرتي، ليكون تذكرها دافعاً للعودة، فأنا من بلد بحاجة لي"، تتحدث لين عن سبب تطوعها وذهابها إلى المركز، مضيفة: "الصبر الذي يتحمله هؤلاء الأشخاص لا يوصف؛ يلزمنا الكثير من الوعي ومن الشعور بالآخر لكي ندرك ماذا يحصل مع أشخاص يعيشون معنا في نفس البلد ولكن في ظروف مختلفة".

خلية نحل تعمل لتنظيم دخول العائلات إلى الحمام؛ تسخين المياه على الغازات؛ إعطاء لوازم الحمام وبعدها إحضار الملابس المناسبة للأعمار والأجناس، وهنالك في الخارج شباب تصرخ، تقسو، تلين، تمارس ما بوسعها لمنع الآلاف من ممارسة حقهم في الاستحمام؛ فلدينا دور وأرقام ويجب أن نلتزم بها.

مواليد خلقوا في القبو أو في مراكز الإيواء، يستحمون للمرة الأولى ويرتدون ثياب جديدة؛ صغار ترتجف من البرد ريثما نحضر لهم الثياب المخصصة لهم، حوالي 250 طفلاً مارسوا حقهم في الاستحمام وتغيير ملابسهم؛ حصيلة عمل 12 ساعة لما يزيد عن 100 متطوع، في مركز يحوي عشرة آلاف وأربعمئة شخص وفيه فقط ثلاثة حمامات، لو أن الصور بقيت كما كانت تصل في الإعلام فهي وعلى رغم قسوتها أقل بمئات المرات مما هي عليه في الواقع.