Shutterstock - سوق شعبي في صنعاء، اليمن / أرشيفية.

عبد العزيز البدوي يكتب: المرأة اليمنية ضحية العرف القبلي ورعونة القانون!

في التاسع من أبريل الجاري كانت صنعاء على موعد مع جريمة بشعة أثارت جدلاً واسعا في أوساط المجتمع اليمني برمته.

شابة في العقد الثالث من العمر قتلت على يد شقيقها الذي يصغرها بسنوات داخل قاعة محكمة غرب أمانة صنعاء، على خلفية تقدمها بطلب إلى المحكمة يقضي بنقل ولاية تزويجها من يد والدها إلى المحكمة، بعد رفض والدها أن يزوجها من الشخص الذي تقدم للزواج بها، إذ بادر الأخ بتسديد طعنة من سكين حاد تجاه عنق أخته أثناء جلسة المحكمة ليرديها قتيلة في بركة من الدماء، ووسط ذهول وصمت الحاضرين داخل القاعة.

يجدر بالذكر أن الفتاة سبق لها الزواج من قبل وانتهت زيجتها بالطلاق، وقد أصبحت (ثيب)، ووفقاً للشرع الإسلامي يحق لها أن تزوج نفسها بمن تختاره، بيد أن القانون اليمني لا يسمح بزواج المرأة دون ولي، في تعارض غريب مع ديانة الإسلام التي يدين بها اليمنيون ويمتثلون أوامرها.

على النقيض من ذلك فقد رفض والدها أن يزوجها بالشخص الذي وافقت عليه، وتم الاعتداء عليها وتعرضت للسجن في المنزل، إلا أنها تمكنت من الهرب واللجوء إلى المحكمة أملاً في الحصول على حق من أهم وأبسط حقوقها والمتمثل بتحديد مصيرها الاجتماعي، باختيار شريك الحياة وفقاً للقانون والشريعة الإسلامية، وهي الطريقة المثلى لأي امرأة عاشت نفس تفاصيل ومعاناة الفتاة الضحية في مجتمع قبلي ومتدين كالمجتمع اليمني، لينتهي بها الحال جثة ملقاة على بلاط المحكمة في سبيل البحث عن العدالة.

محامون ونشطاء حقوقيون أكدوا أن الجريمة تمت بتحريض من الأب الذي حضر إلى المحكمة بعد وقوع الجريمة، وأضافوا بأنه صرح علانية بتحريضه للإبن ليقتل شقيقته، ليتم اقتياد الأب والابن (الجاني) إلى السجن لانتظار العقوبة التي ستصدر بحقهما لاحقاً، وحول أبعاد ومستقبل القضية، قالت الناشطة السياسية منى صفوان في تغريدة على حائطها بتويتر إن "قضية الفتاة كبرت بشكل غير متوقع، ومربك للسلطة القضائية في صنعاء، وإن هناك توجيهات لطمس وإخفاء معالم الجريمة، وتشويه سمعة الضحية، رغم أن الجريمة ومسرحها يمثل صفعة للمحكمة والقاضي، والعدالة بشكل عام".

إنها واحدة من الجرائم التي تقع على ذمة القانون والعرف القبلي والفهم السطحي للمفاهيم الدينية، وما أكثر الجرائم التي تحدث في المجتمع اليمني تحت عباءة ثلاثي القانون والعرف القبلي والدين، حيث بات الدين عباءة للجريمة، والقانون عائقاً أمام العدالة، والعرف القبلي محفزاً لارتكاب الجريمة، وهو ما يفسر حالة اللا استقرار في المجتمع اليمني بشكل عام، وهذا كله ناتج عن سوء فهم للدين، وقصور في القوانين المنظمة للحياة، وتماهي مع العرفي القبلي الذي يتجاوز كل القيم والأعراف السامية خصوصاً في التعامل مع حقوق المرأة، والتي تعامل بانتقاص كبير يصل إلى حد اعتبارها جزء من ممتلكات الرجل، ولا يجوز لها أن تختار شريك حياتها، كون ذلك يعد مسيئاً لسمعة الأسرة حسب الثقافة والعرف السائد.

مئات الحوادث المشابهة التي تستهدف الإناث في اليمن، ويتم بموجبها مصادرة حقوقهن المشروعة ومعاملتهن كمصدر للعيب وجلب العار، وفق عقلية صلدة تعيدنا إلى عصور الجاهلية الأولى، وهي كلها جرائم وانتهاكات منافية لتعاليم الإسلام، الذي كرم المرأة بحقوق تقابلها واجبات واضحة وشفافة، وتلك الحقوق والواجبات تعرضت للقمع والتمييع في ظل سطوة العرف القبلي الذي لا تحكمه قيم ولا تردعه قوانين.

نحن اليوم بحاجة ماسة لإعادة تعديل القانون وسد الثغرات التي أتاحت للعرف السائد أن يتجاوز حدوده في التدخل في شؤون القضاء، وإعادة توضيح المفاهيم الدينية الجامدة بكثير من التفصيل والشرح، لإزالة رواسب الفهم الخاطئ للدين، ومنح المرأة كافة حقوقها في خطوط قانونية ودينية عريضة من أجل كبح جماح الظلم والإقصاء والتهميش الذي عانته وتعانيه في ظل الأعراف والتقاليد القبلية السائدة في البلاد، وهذا كله بحاجة لمزيد من الوعي والتكاتف من قبل الجهات الفاعلة في الدولة، وكذلك الناشطين والمثقفين لخلق طفرة وعي في أوساط المجتمع بحقوق المرأة والرجل جنباً إلى جنب.