صورتان للمصور طه الجواشي، أزقة غدامس والفارس الليبي.

"نحن ليبيون أولاً".. الأجيال الليبية والتعددية الثقافية

تقرير: محمد العالم، محمد النّعاس.

ليبيا، بلد مرّ بمراحل تاريخية أثرت في الحياة الاجتماعية لسكانه على مدى قرون، تغيرت فيه الدول الحاكمة، والشعوب ولغاتها وأديانها وطريقة عيشها، هذه حقيقة تاريخية. شواهد الحضارات المختلفة يحتفي بها الليبيون لليوم: آثار لبدة، شحات وفن الإنسان البدائي في كهوف أكاكوس. رغم ذلك، هناك من يختصر تاريخ ليبيا ابتداءً من 1951م حتى الآن؛ لذلك، تتبعنا العقود الست الأخيرة من أعين من كانوا/مازالوا شباباً فيها.

يرى الحاج محمد المرغني الذي عاش شبابه في ستينيات القرن الماضي مسافراً كطيار في الطيران المدني الليبي، أن "الليبيين كانوا يعيشون حياة طبيعية، تجدهم يجلسون في المقاهي عرباً، إيطاليين ويهود" ويتحدثون بلا حساسيات بينهم، كانت ليبيا منفتحة على العالم حتى "أنك لا تجد فارق كبير بيننا والبلدان الغربية" كما يقول المرغني، يرجع ذلك إلى عوامل اقتصادية أتاحت لليبيين السفر والتعرف على العالم في الخارج، "في شبابي كان الليبيون يسافرون، يذهبون للسينما والنوادي والمرافق الترفيهية"، يضيف المرغني بأن هذه المرافق بتنوعها واختلافها كانت متاحة أمام الشباب ليعيشوا حياة دون تعصب أو عنف. "الشباب الآن لا يستطيعون السفر، لذلك تجدهم أقل تقبلاً للآخرين".

ولأنّ فترة الشباب تعد مرحلة مهمة جداً في بناء شخصية الانسان، يرى السيد وحيد الجبو من مواليد 1959م أن العامل الاقتصادي هو الذي غيّر من حياة الليبيين في فترة الثمانينيات حيث بدأ "تأميم الاقتصاد وإلغاء الملكية الخاصة"، بداية من إعلان زوارة الذي دعا فيه القذافي للثورة الثقافية. "التنوع كان موجوداً منذ مئات السنين وليس بالشيء الجديد، عاش فيها الليبيون بسلام وتناغم" يقول الجبو، موضحاً أن النظام السياسي في شبابه "كان لا يسمح بالاختلاف بين الليبيين، يعتبرهم جميعاً كعرب ليبيين" حيث ينقل عن أبناء جيله من الأمازيغ والتبو والطوارق أنه "تم منعهم من ممارسة ثقافتهم أو التعبير بموسيقاهم".

وفي حديث مع الدكتورة إيمان فرج من مواليد 1972، عضو هيئة التدريس في كلية الفنون والإعلام بجامعة طرابلس، قالت إنها من خلال انضمامها في طفولتها وشبابها للحركة العامة للكشافة والمرشدات "لم تشعر أبداً بوجود اختلاف في العرق بين الليبيين، حيث كان الانتماء دائماً يعود للحركة الكشفية التي تجمعنا"، ولم يكن هناك أي تسليط للضوء في التسعينيات على الانتماء العرقي أو الثقافي أو حتى القبلي، موضحة أن الأمور تتجه بإيجابية مع خوفها من أن يفقد الليبيون ذلك الترابط الذي يجعل الجار مشاركاً في الحياة داخل الأسرة، يعتني بأطفالك كأنهم أطفاله".

فترة التسعينيات التي يتحدث عنها الفنان والمصمم أيمن الشعتاني باعتبارها فترة مراهقته، على أنهم كانوا مغيبين ثقافياً فيها، حيث كانوا كأنهم يعيشون "داخل صندوق، لا تستطيع الحركة بحرية والتعبير عن نفسك، كانت القومية العربية التي تبناها النظام السابق هي المسيطرة حتى أصبحنا متقوقعين على أنفسنا، أفكارنا لا نتداولها ولا نشاركها إلا مع شريحة قليلة"، ولأن خلفية أيمن فنية يعبر عن ثقافة اللون الواحد في شبابه بأنهم لم يتمكنوا "من مشاركة الأنشطة الفنية التي تخلق صورة جمالية أخرى، كان هنالك دائماً جمال واحد، فن واحد ورياضة واحدة، فالذين تربوا في تلك الفترة لم يستطيعوا أن يطلقوا العنان لأنفسهم" شاعراً بالفقد تجاه هويته الليبية التي استبدلت بشعارات "القومية العربية، الخيمة ومواجهة الاستعمار".

تبدو جميع الأجيال الشابة في العقود الماضية متفقة على أمريْن، أولهما أن على كافة الليبيين أن يعتبروا أنفسهم كليبيين أولاً، وأن الشباب الليبي الآن منفتح أمام التنوع والاختلاف في كافة النواحي كالتفكير، العلاقات الاجتماعية والقبول والاحترام للآخرين، وأنهم يعبرون عن ذلك بكافة الطرق بعد مساحة الحرية المتاحة.

 الأمر الذي توافقهم فيه المعمارية سرور العكاري ذات الخمسة وعشرين عاماً، قائلة إن جيلها الحالي  "يعمل ببطء للتعبير عن نفسه" لإظهار التفرد والاختلاف حتى بين الأشخاص أنفسهم بعيداً عن الجماعات، أمر أمكنها ملاحظته من "طريقة الأكل، الملابس والأذواق الموسيقية" وهذه أشياء افتقدتها في طفولتها نظراً لفترة الحصار الاقتصادي وانتشار ثقافة الجمعيات"، كان الجميع يرتدون نفس الملابس ويسكنون في المنازل ذاتها"، أمر تراه أثر في الليبيين دون أن يشعروا، فهم على حد قولها "بعيداً عن الاختلاف في الأعراق، ليس لديهم ذلك التقبل للتنوع"، حتى في اختيار التخصصات الدراسية، ولأنها تتحدث اللغة الأمازيغية تقول إن "الكثير من الليبيين لم يكونوا يعرفون أن هناك من يتحدث بلغة أخرى هنا"، والآن هناك خوف نتيجة لردات الفعل والدعوة للانعزال للمحافظة على الجنس والتراث والثقافة من الجميع، مضيفة أنه قبل خمسين عاماً، كان التنوع ليس ثقافياً فقط بل في الديانات والجنسيات.

"هناك خوف من التغيير أو المختلف، فنحن نبحث عن المألوف، ولكن يمكن التغلب على هذا الأمر في طريقة تقديمنا للأشياء" تقول سرور العكاري من خلفيتها المعمارية، معبرة عن تطلعات الشباب الليبي الذي صار أكثر إصراراً على التعبير عن نفسه، فنه وثقافته أياً كانت.