shutterstock - "غيّر فقدان المقربين طريقة التواصل التي تحولت إلى شكل افتراضي"

نوار المير علي تكتب: "بوست" عائلي

في صيف عام 2012 جمعت خطوبة أحد الأصدقاء أفراد "الشلة" جميعهم، رقصنا وفرحنا، لم نكن نعلم أنها المرة الأخيرة التي سنجتمع فيها.

في كانون الثاني/ ديسمبر 2016 كان عرس أحد افراد "الشلة" ذاتها، لم أكن بين الحضور، ولم أحمل طرحة صديقتي، وأقف لألتقط باقة الزهور، اكتفيت بمشاركتهم الفرح من وراء شاشة سكايب تحاول إلغاء المسافة بين ألمانيا ودمشق.

كالكثير ممن فقدوا الأصدقاء أو بعضاً من أفراد العائلة نتيجة الهجرة واللجوء إلى بلدان أخرى؛ أفتقد الحياة الاجتماعية، لا أفضل التواصل عن بعد، ولا أبرع فيه، لكنني لا أنسى أي تفصيل يخص أحدهم، أكلاتهم المفضلة، أغنياتهم، وحتماً أعياد ميلادهم.

اعتقدت دوما أن التواصل الشخصي هو الأصدق دوماً، لكنني ألجأ إلى وسائل التواصل الاجتماعي لأطمئن في فترات متقطعة عن أصدقائي، نتبادل الأخبار العادية، لا نتقاسم تفاصيل الحياة اليومية كما كنا نفعل في السابق، وقد تمنعنا انشغالات الحياة عن الرد عن رسالة قصيرة لنرد في وقت لاحق.

تأثرت العلاقات الاجتماعية خلال الحرب في سوريا، وغيّر فقدان المقربين شكل التواصل الذي تحول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واختفت لمة العائلة حول طاولة يوم الجمعة في معظم المنازل السورية.

من جانب آخر اتجهت أغلب الأمهات والجدات للتواصل مع أولادهم عن طريق الإنترنت بعد موجة الهجرة الكبيرة التي شهدتها البلاد، ما اضطر الجيل القديم للتعامل مع التكنولوجيا للتواصل، وأصبحت مكالمات السكايب والواتس آب؛ هي أساس التواصل بين العائلات اليوم، هذا ما تؤكده ريم (26عاماً) : " رفضت جدتي فيما مضى شراء موبايل، اليوم اضطرت بعد أن أصبح 5 من أولادها في ألمانيا وأميركا!"

شكلت ريم مع أصدقائها في وقت سابق مجموعة لزيارة أمهات فقدن أولادهن في الحرب، كانت الأمهات يتحدثن عن أولادهن دوماً خلال الزيارات، وعن فراغ  فقدانهم والذي لا يسد بسهولة لكن المجموعة كانت تفعل كل ما بوسعها للتخفيف منه.

تغيرت حياة هاشم (30 عاماً) بعد سفر العديد من أصدقائه، وقلت النشاطات التي يمارسها، يصف الفترة التي تلت سفرهم بالمملة وعديمة الجدوى.

يشعر هاشم بأن هناك نكهة ناقصة عبر الانترنت، قد يشارك أصدقاءه جزءً من نشاطاته، لكنه يفتقد وجودهم: " أستطيع الآن بفضل وسائل التواصل أن أراهم وأعرف كيف يقضون يومهم، لكن هناك جزء مفقود لا تستطيع هذه الوسائل ترميمه، ربما من دون السوشال ميديا لانتهت علاقتنا حتى نلتقي بهم من جديد".

تعرفت روان (25 عاماً) على خطيبها قبل سفره بعدة أشهر، كان مضطراً للسفر بسبب انتهاء تأجيله الدراسي، تطورت علاقتهما عبر الانترنت، كان الأمر جديداً وغريباً عليها، لم تشعر بسوء في البداية على العكس تماماً كان وسيلة جيدة للخوض في نقاشات كثيرة لتبادل آرائهم، ووجهات نظرهم، فيما بعد بدأت المشاكل تظهر، وتحول الإنترنت إلى حاجز بينهم.

يحاول خطيبها إقناعها في عقد قرانهم عن بعد، كالكثير من الناس، لكنها مصرة على أن تلتقي به قبل القيام بهذه الخطوة، تقول روان: "لدي مخاوف تتعلق بالتواصل الشخصي، أريد فقط أن أختبر مشاعري عن قرب، لأن الإنترنت والتواصل عبر التشات والسكايب مهما بلغ من تطور؛ لن يعوض عن اللقاء".

خلال الجامعة حلمت سالي (24 عاماً) بالسفر لتكمل حياتها الجامعية في أوروبا، وتعود بعد ذلك لبناء سوريا، هي وزوجها الذي تقدم بطلب للحصول على فيزا للدراسة، لكن طلبه الذي جاء مع الرفض رغم استيفاءه لشروطه؛ اضطره إلى طرق التهريب وبالفعل توجه إلى تركيا ومنها إلى ألمانيا.

لعام ونصف تحوّل التواصل بين سالي وزوجها إلى تواصل إلكتروني: "عشنا سنة ونصف عبر الموبايل، كنت أشعر أحياناً أن وسائل التواصل الاجتماعي تقربنا من بعضنا، أعرف ماذا يفعل في يومه، ماذا يأكل وبمن يلتقي، لكنني غالباً كنت أكره كل ذلك، لا أستطيع رؤية عينيه، ولا أستطيع عناقه".

مضى الوقت وحان موعد لم الشمل إلى ألمانيا، لم تتخيل سالي أن اليوم الذي انتظرته لعام ونصف موجع لهذه الدرجة "مؤلم وداع ماضيك، ذكرياتك، عائلتك، وأصدقائك، صعب أن يتحول كلّ ذلك إلى بوست عبر فيس بوك".