Shutterstock - عربة يجرها حمار في سوق بضاحية من ضواحي الحديدة في تهامة اليمن.

تهامة.. معاناة برعاية الدولة

حالة من العوز والفقر والمظلومية تلازم أبناء تهامة منذ عقود طويلة، رغم أنها واحدة من أهم المناطق التي تدر دخلاً هائلاً على الدولة اليمنية عبر مصادر دخل عديدة بحكم موقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر غرب البلاد، والذي يشكل نافذة حيوية على العالم، فضلاً عن تمتعها بمنافذ برية دولية، إلى جانب ثروات عديدة كالثروة الزراعية والسمكية والتي تغطي صادراتها معظم الأسواق اليمنية والأقليمية.

يعمل أبناء تهامة في الزراعة وصيد الأسماك وتربية المواشي ولا يحظون بفرص عمل في المرافق الحكومية كسائر أبناء المناطق الأخرى، فالمناصب والمراكز المرموقة في المنطقة نفسها يتولاها أشخاص لا ينتمون إليها بل قدموا من مناطق أخرى حسب توجيهات قيادات الدولة، كنوع من الحرمان المتعمد لأبناء تهامة من حقهم في الحصول على فرص متساوية في العيش والأمن والحرية وفقا لقوانين حقوق الإنسان العالمية.

الأوضاع والمعيشة في تهامة 

ما زال الناس هناك يعيشون حياة بدائية، خصوصاً في المجتمعات الريفية، إذ يستخدمون الحطب والأخشاب والأواني الفخارية كوسيلة لطبخ الطعام، كما يستخدمون الحمير والمواد البلاستيكية في الحصول على ماء الشرب من الآبار المتناثرة عشوائياً في القرى وعلى حافة الطرق، وأما على المستوى الطبي فنظراً لصعوبة الحصول على الدواء، واستخدامه كسلعة تجارية في  المراكز الصحية الحكومية والخاصة، يلجأ الناس لوسائل تقليدية للتداوي كالكيّ والحجامة وزيارة قبور شخصيات دينية أضفى عليها المجتمع صبغة القداسة، لتصبح قبورهم قبلة للعامة خصوصاً لأولئك الذين لم يحصلوا على قسط من التعليم إذ يتوافدون إلى تلك القبور طلباً للشفاء من أمراضهم.

على مستوى التعليم، تعاني تهامة من تدنٍّ حاد في جودة مخرجاتها التعليمية كماً ونوعاً، نظراً لغياب دور الدولة المتمثل في الإدارة والرقابة والتفتيش والتوعية، وعدم اهتمام الكثير من  أولياء الأمور بالتحصيل العلمي لأبنائهم بقدر اهتمامهم بلقمة العيش وسبل الوصول إليها، فضلاً عن تسرب الطلبة من المدارس وانخراطهم في سوق العمل لمواجهة تكاليف المعيشة الباهظة في ظل الأوضاع المأساوية التي آلت إليها البلاد.

على الصعيد السياسي يكاد يكون المواطن التهامي مغيباً تماماً عن المساهمة أو المشاركة في الأنشطة السياسية ويقتصر دوره على الحضور إلى المراكز الانتخابية في مواسم الانتخابات للإدلاء بصوته للمرشح الأقوى في المنطقة حسب إملاءات القوى النافذة، ويتعرض للتهديد والعقاب في حال قرر ممارسة حقه الانتخابي من خلف ستار.

واجهت تهامة الظلم والتهميش والفساد منذ عقود وكانت قضية اغتصاب الأراضي من قبل نافذين في الدولة واحدة من أسوأ الجرائم التي عانت منها تهامة قبل قضية أراضي الجنوب نفسها، لكن سلمية أبنائها وبساطتهم ساعدت على استمرار عمليات النهب المنظم لأراضيهم، وتوسع ظاهرة الفساد الحكومي في المنطقة.

تقول الدكتورة بلقيس محمد علوان رئيس قسم الإذاعة والتلفزيون في كلية الإعلام جامعة صنعاء "من الخطأ أن نعتقد أن تهامة فقط أقصيت وهمش أهلها، لأن هذا الشعور (الفكرة) يلازم كثيرين في مناطق عديدة في اليمن شمالاً وجنوباً، وعلی مدی عقود مارست السلطة سياسة إفقاراً ممنهجاً ومقصوداً لكثير من المناطق، منها تهامة، وتجسد ذلك في عملية الإقصاء والتهميش التي نتحدث عنها، بالتوازي مع اهتمام أكبر بمناطق معينة، هذا الإقصاء ليس جغرافياً فحسب ولكن قطاعياً أيضاً في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية، وهو إن لم يكن مقصوداً في ذاته-وهذا مستبعد- إلا أنه يعكس فساداً كبيراً وسياسات تخبط انتهجتها حكومات متتالية في سلطة نظام يتحمل وزر ما نحن فيه ونتحمل نحن تبعاته وندفع الثمن.

النساء مهمشات كلياً

لا تستطيع المرأة التهامية الاضطلاع بدور فعال في المجتمع فهي محاطة بترسانة من الحواجز والمبررات التي تكونت عبر مزيج من العوامل أبرزها العادات والتقاليد والتي ترى أن دور المرأة له سقف محدود لا يتعدى واجباتها المنزلية، وقد يتجاوز ذلك قليلاً بحصولها على قسط من التعليم، لا يصل في الغالب للمرحلة الجامعية، يشذ عن هذا الواقع قيام بعض النساء بأدوار بسيطة في مجال التعليم والصحة وهي أدوار مرت بجملة من المعوقات إلى أن تبلورت فعلياً على مسرح الحياة التهامي في مطلع الألفية الجديدة، غير ذلك تتعرض المرأة التهامية للعنف المنزلي وتحمل مهاماً إضافية فوق مهامها المنزلية، فهي المسؤولة عن جلب الماء والاهتمام بالمواشي والعمل في الحقول في أحايين كثيرة.

المساحة الواسعة لتهامة براً وبحراً وثروتها الوافرة تجسد تناقضاً مريراً مع ضيق أفق الحياة أمام ساكنيها الذين يعيشون تحت وطأة الجوع والفقر والمرض، في الوقت الذي ترفد فيه بلادهم خزينة الدولة بأموال طائلة.

تطلعات وآمال  

في مطلع 2014 أعلن الرئيس هادي أن اليمن دولة اتحادية من ستة أقاليم، من ضمنها إقليم تهامة والذي يضم كلاً من الحديدة وحجة وريمة والمحويت. عوّل التهاميون كثيراً على مشروع الأقاليم، ورأوا فيه نافذة الخلاص من الظلم والإقصاء والفساد الذي طالهم من قبل النظام السابق، وجير ثروات وموارد بلادهم لصالح القوى النافذة في البلاد. ويقول المحللون السياسيون إن نجاح مشروع الأقلمة سيمنح أبناء تهامة الحق في الحصول على فرص متساوية في العمل والتنمية أسوة بغيرهم من أبناء الأقاليم الأخرى وسيساعد في تخصيص جزء من موارد الأقليم لصالح المنطقة وإنعاشها اقتصادياً وثقافياً وعلمياً وسيعمل على تجفيف منابع الفساد المتغول في المنطقة والبلد ككل.