Shutterstock - طفلتان تركضان في طرقات شحات، عام 2002

فيروز العوكلي تكتب: تعلم الفكاهة واللغة الإنجليزية

 

لطالما ارتبطت صورة المعلم بالتجهم والصرامة، وجرس بداية الحصص المدرسية يعني التوقف عن الضحك  والمزاح  وروح الدعابة.  ولأن الضحك فطرة إنسانية؛ أصبح المعلم بامتعاضه من الضحك منيعاً عن تخيله يأكل ويشرب ويضحك مثلنا، وهذا ما يخلق مسافة بينه وبين تلاميذه.  ومهما اختلف شكل وملامح وبيئة المعلم، وحتى أولئك الذين من طبعهم المزاح، نجد لديهم دائما حساسية شديدة تجاه ضحك التلاميذ وضحكهم هم أنفسهم.

في أول حصة لي كمعلمة لغة انجليزية للصف الثاني الثانوي الذي هو عبارة عن ستة أولاد وست بنات يكتنفهم هدوء وترقب للمعلم الجديد، دخلت الفصل ليغرق الطلاب في نوبة ضحك لم أعرف سببها، ربما لصغر سني، أو أن أحدهم همس بتعليق طريف، أو ربما لا لشيء على الإطلاق؛ فالشباب في هذه السن يميلون للضحك اللا مبرر خصوصاً في أكثر الأماكن والمناسبات التي لا تتقبل ذلك. لم يكن بيدي سوى أن انخرطت بدوري في نوبة الضحك، وقلت لهم أنا مثلكم لا أملك سوى الضحك في أول يوم لي كمعلمة. الوقوع بالصدفة في قلب هذا الضحك شكل لدي الصورة التي بحثت عنها كثيراً لأعتمدها في حصصي.

وبهذه الطريقة رحت أمرر هذه المناهج المتجهمة عن طريق طرفة أو مزحة أو مشهد مضحك كمقدمة لقواعد جامدة، وجاءت ردات فعلهم إيجابية لاسيما وأن مستواهم في اللغة كان متدنياً جداً، الأمر الذي برره أحد الطلاب بقوله مازحاً: "يا أبلة، كانت تجينا أبلة تحفّظ فينا في الحروف، ومع كل حرف جلدة واللي يضحك يطلع من الحصة وأنا كملتها نضحك وبرا الفصل"، ولا يخفى عنا كره الطلاب وعدم تقبلهم لكثير من الحصص بسبب صرامة بعض المعلمين، فجو الرعب الخالي من الفكاهة ينفر الطلاب ويجعل من الحصة كابوساً.

إن الفصل الدراسي الذي يكون فيه الطلاب مرصوصين خلف بعضهم البعض، والذي كثيراً ما نجد فيه بعض الطلاب يخفون وجوههم المتململة أو الهاربة من مزاج المعلم السيء خلف رؤوس زملائهم في أدراج شاحبة، يخلق جواً من الرتابة ويفقد بالتالي الطالب تواصله بالمعلم، على عكس ما يحدث في الفصل الدراسي الحديث في الدول المتقدمة، حيث يجلس الطلاب متقابلين وكأنهم في اجتماع، ويُمنحون مساحة من الحرية والمشاركة؛ ما يقوي شخصياتهم ويزيد من تفاعلهم ويعزز ثقتهم بأنفسهم.

تمتع المعلم بحس الفكاهة الرصين يبني جسور التواصل بينه والطلاب ويفتح شهيتهم للمعرفة، وخفة ظل الحصة مفتاح هذه السن المندفعة، وأرى أن يُستثمر هذا المفتاح السحري في تمرير المناهج الصلبة كما تمرر الأم الفيتامينات والنكهات الصعبة لدى طفلها عن طريق الرضاعة المحببة، وخلق مساحة للضحك وللحرية لهم ليس بالأمر السيء، بل هو جسر سيظل مشيداً مدى العمر بين المعلم وتلاميذه، فحب المعلم يعني حب المادة. ولا يمكنني تخيل طالب يكره المعلم ويتعلم منه، وكما يقول ألبرت اينشتاين "إنه من أسمى الفنون أن يوقظ المدرس البهجة والطرق الإبداعية في المعرفة والتعليم".