انعتاق أنثى - مرهف يوسف

أميرة مالك تكتب: ماذا عن أجسادهن؟

"جسمي  وأنا حرة فيه" جملة أرد بها على مدربة التربية العسكرية بعد طلبها مني بطريقة عنيفة إغلاق الزر الأول من قميصي في أحد احتفالات المدرسة، لتكون نتيجة هذه الجملة؛ "كف" على خدي الأيسر" من قبل هذه المدربة، واستدعاء ولي أمري "أمي" التي بدورها قررت حرماني الخروج من المنزل لمدة شهر بعد  أن وصفني الجميع بـ "قليلة الذوق".

حدث ذلك وأنا بعمر 14 سنة، لتبدأ بعدها تلك الأسئلة البديهية التي تؤدي إلى اكتشاف ذاتي ومجتمعي أكثر، ولتكبر بداخلي الرغبة باكتشاف الممنوع وفهم المحظور، وأصبح اليوم باحثة وراصدة لعلاقة النساء بأجسادهن ضمن الأطر التي يضعها لهن هذا المجتمع بكل تفاصيله.

"لا تفتحي رجليكي؛ اقعدي منيح؛ انتبهي على طريقة مشيتك.. من أنا وصغيرة ماما بتقلي هيك"، تخبرني زينة بذلك وهي تصف طريقة تعامل أهلها معها كفتاة، وحرصهم على جسدها: "ظلوا يقولوا البسكليت مو منيحة؛ لطلعت ما بعرف اركب بسكليت".

ترى غدي علاقتها بجسدها من زاوية أخرى، هي علاقة مبنية على الإدراك للحقوق والواجبات المترتبة عن امتلاكها لهذا الجسد: "إنه نعمة منحني إياها الله، وأنا مسؤولة عنه أمام الخالق، بالطبع لن يُحب أحد جسدي ويعتني به كما أفعل انا، ولي حرية التصرف به بالطريقة التي أجدها مناسبة".

تتحدث ريم عن نوع آخر من الضوابط التي تحدد علاقة المرأة بجسدها، فهي ترى بأن النساء أحياناً أحجار بيد صُناع الموضة ممن وضعوا معايير الجمال ومقاييسه، وتضيف: "لدي نوع ثانٍ من التحدي؛ عندما أتفحص نساء المجلات والدعايات، وأبدأ مقارنة بين تفاصيل جسدي وتفاصيلهن؛ وفي كل مرة أشعر بالنقص، ويجب عليّ أن أصبح مثلهن".

إرضاء الشريك؛ قيد آخر أمام معظم الفتيات، فالجسد بالنسبة لهن أهم أداة تمتلكنها للمحافظة على شريك العلاقة التي يعيشانها، وأياً كان نوع هذه العلاقة والأطر الناظمة لها؛ يبقى معيار القناعة الذاتية مرتبط بمدى تقديم الإغراء للشريك. هذا ما تعبر عنه زينب أثناء حديثها عن روتينها اليوم: "كل وقتي بعد الظهر مخصص للعناية بنفسي وجسدي؛ وفي حال لم أفعل ذلك "مارح عبي عينو لأبو الولاد".

عدم ثقة المرأة بجسدها وقف عائقاً أمام الكثير من النساء بما يخص صحتهن، الدكتور أحمد أخصائي أمراض السرطان، يُشخص في إحدى محاضراته أسباب عدم قدرة الكثير من النساء على القيام بالفحص الذاتي المفترض للكشف المبكر عن سرطان الثدي؛ بغياب العلاقة بينهن وبين أجسادهن؛ فهن غير قادرات على التصالح مع الذات والوقوف أمام المرأة لغياب الثقة بالنفس، الخجل، وتحذيرات الأهل المستمرة.

بينما تصف الدكتورة أحلام الأخصائية في ذات المجال، المشاكل المتعددة التي تواجهها قبل القيام بعمليات استئصال الثدي؛ بشعور المرأة المريضة بالنقص خصوصاً المتزوجة، حيث ترفض بعض النساء القيام بهذه الجراحة نتيجة خجلهن من الشكل المترتب عن ذلك أمام أزواجهن، كما تتحدث عن مشكلة أخرى تتعلق بشعور الزوج أيضاً بملكيته لهذا الجسد، خصوصاً الأجزاء الأنثوية، ورفضه في بعض الأحيان القيام بهذه الجراحات على حساب صحة المرأة واستمرار حياتها.

التربية، مروراً بالمجتمع وانتهاءً بالقوانين ومستوى التمكين والوعي؛ كلها عوامل تساهم في بناء العلاقة المعقدة التي تربط النساء بأجسادهن في مجتمعاتنا، وإذا كنا اليوم نتحدث عن حقوق النساء ومشاركتهن في الحياة العامة؛ فكيف يمكن أن يحدث ذلك في ظل غياب أبسط الحقوق "حق التصرف بالجسد"، وإذا كنا لا نملك حرية على الأشياء الشخصية فكيف لنا أن نملك الحرية على الأشياء العامة؟!.