هنا صوتك - أكثر من 600 ألف سوري عاد إلى وطنه بشكل طوعي بداية عام 2017

نسرين علاء الدين تكتب: سوريون يلتفون "360 درجة" نحو الوطن!

"اشتقت لك يا شام"، "صباحك ياسمين يا شام"،"مين مشتهي على قهوة أو أكلة بالشام"، عبارات عديدة يتناقلها السوريون يومياً، يعبرون فيها عن شوقهم، بعدما أرغمت الحرب الدائرة الملايين منهم على الهروب إلى مختلف بقاع الأرض، في محاولة لبناء حياة جديدة، وخاصة من لديهم أطفال، لكن قسماً آخراً يريد العودة، وينتظر في كل يوم خبراً عن توقف الحرب ليحزم أمتعته ويعود.

تعلم سوسن جيداً أن القرار الذي اتخذته لم يكن الأكثر حكمة في حياتها، لكن خياراتها، كما تقول، باتت محدودة. خرجت سوسن في عام 2014 مع موجة اللجوء التي هاجرت إلى أوروبا، غامرت بكل ممتلكاتها، وصلت مع عائلتها إلى ألمانيا بعد رحلة قابلت فيها الموت وجهاً لوجه. لكنها لم تكن من ذوي الحظ الجيد. تقول سوسن (27 سنة): "قررت العودة بعد أن تعبت من الحياة في ألمانيا، لم أتمكن من التأقلم، فاللغة صعبة بالنسبة لي، ولست قادرة على تدريس بناتي، إضافة إلى أني أقيم في ولاية بعيدة عن أصدقائي".

تتابع سوسن: "هربت من الموت، لكن الغربة هناك والوحدة كادت تقتلنا، انفصل زوجي عنا بسبب وجوده في ولاية ثانية يعمل فيها، بالإضافة إلى اتخاذه زوجة ثانية بشكل غير رسمي. قررت العودة إلى الشام، ربما لو لم يكن والدي في دمشق، ولديه منزل ودكان صغيرة كنت أعمل بها قبل زواجي، لما كنت اتخذت قرار العودة".

تتنهد سوسن، مضيفة: "لا أزال أخاف من الموت، لكن بتّ أعرف أنني إذا متّ سأموت بين أهلي".

عودة منقوصة

يُصلح أحمد حسن نوافذ منزله المتضرر، بعد أن تركه لمدة ثلاث سنوات، ويحاول ترميم ما أمكنه. لم يكن أحمد يرغب بمغادرة سورية، لكن المعارك التي كانت دائرة في منطقته أجبرته على النزوح داخل البلاد أكثر من مرة، ومن ثم دفعته إلى الخروج نحو لبنان ومن ثم تركيا. يقول أحمد: "لم يكن السفر إلى تركيا أو لبنان صعباً كما هو الآن، وكنت أفكر مع زوجتي أننا سنسافر لمدة شهر أو شهرين ومن ثم نعود، لكننا علقنا في تركيا، ولم تعد العودة سهلة، كنت أملك عملاً بين الشام وتركيا، لذلك لم أكن اخشى من الإقامة هناك، لكن بعد سنتين من الإقامة؛ ارتفعت المصاريف، وكان الهم الأكبر بالنسبة لي؛ هو دراسة أبنائي، حيث لا يجيد الصغار قراءة اللغة العربية، فالمدارس القريبة على منزلنا كانت مدارس تركية، كما أن ابنتي الوسطى (13 عاماً) عانت من اللغة الجديدة وانسحبت من الدراسة. منطقتنا في سورية باتت هادئة وصار من الممكن العودة وإعادة فتح مشغل الخياطة الخاص بي. يتابع أحمد قائلاً: "عدت إلى الشام دون أبنائي الكبار الذين فضلوا السفر إلى أوروبا على العودة إلى سورية، خاصة أنهم لا يرغبون الخوض في الخدمة العسكرية. أنا أدرك جيداً أن الأعمار بيد الله، لكن هذه رغبتهم. كنت أتمنى العودة جميعاً وبات حلمي أن نجتمع كأسرة واحدة مرة ثانية".

عودة غير مشروطة

أتمّ كريم عامه الثاني والأربعين قبل أشهر قليلة. يقول: "كنت أنتظر هذا العمر بفارغ الصبر كي أعود إلى وطني، لم أتمكن من العيش في لبنان، فأنا غير مسجل لدى الأمم المتحدة كلاجئ، لذلك كان اعتماد أسرتي في تأمين الطعام وغيره من مستلزمات على عملي. في البداية كان الأمر جيداً، لكن بعد عام 2014؛ صار وضعي الاقتصادي يتدهور، عملت في نقل وردم الحجارة وحمل أكياس الطحين في المخابز، ومن ثم انتقلت إلى العمل في المطاعم، غسلت الأطباق، ونظفت الحمامات، لكن معظم الأعمال في لبنان تعتمد على المغتربين، ووضع الحرب دفع بالكثيرين إلى العزوف عن زيارة لبنان، وتوقف الكثير من المنشآت السياحية". يتابع كريم متحسراً: "أنا خريج كلية الاقتصاد وفي سورية ممكن أن أجد عملاً، وأستأجر منزلاً ريثما أستطيع العودة إلى منزلي في منطقة الحسينية بريف دمشق".

أكثر من 600 ألف سوري عاد إلى وطنه بشكل طوعي ما بين شهري كانون الثاني وتشرين الأول في العام 2017 بحسب إحصائيات المفوضية العليا للاجئين.

 لم تكن الصورة الوردية التي رسمها البعض للسوريين حول أرض الغرب حقيقية، حيث بقيت وعود عدد كبير من الدول للاجئين هناك وهماً، وكان الواقع بعيداً من حيث صعوبة المعاملات في قبول طلبات اللجوء، ولم الشمل، ليزداد شتات العائلات في عدد من دول العالم، فكان الالتفاف 360 درجة والعودة إلى حضن الوطن بالرغم من خطورته، أفضل الخيارات بالنسبة للسوريين في بحثهم المستمر عن الحياة بأدنى أشكالها.