هنا صوتك - طفلتان سوريتان في ريف دمشق - أرشيفية.

صدام حسين يكتب: السوريون يتوقعون الحياة.. الموت فقد "الهيبة"

يبدأ الطبيب محمد إبراهيم رحلته صباح كل يوم، من بيته في ضاحية الأسد بريف دمشق، إلى مقر عمله في إحدى مشافي التوليد بدمشق، لم ينقطع عن عمله يوماً واحداً منذ بداية الحرب، يروي إبراهيم (50 عاماً) أنه كان في الطريق إلى المشفى عندما سقط أكثر من مئة صاروخ وقذيفة هاون على دمشق وضواحيها في يوم واحد.

لا يبدو «الخمسيني الشاب» كما يصف نفسه قلقاً من فكرة الموت، ويتوقع أن يكون أحد المعمّرين، ولا يقتنع بمؤشر «توقعات الحياة*» الذي وضعته الأمم المتحدة للسوريين، يقول ساخراً «هذه المنظمات لا تستطيع التنبؤ بموعد إطلاق قذيفة أو صاروخ، ولو صدقت المؤشرات يفترض أن أكون اليوم في عداد الموتى!».

«لم تعد فكرة الموت مرعبة»، هذا ما يؤكده المخرج السوري المهند كلثوم، لم يتردد صاحب «البرزخ» في حجز تذكرة طيران من كييف إلى دمشق بداية الحرب السورية، رغم «التوتر العالي» الذي كانت تعيشه البلاد.

يؤمن كلثوم (37 عاماً) بما أسماه «فلسفة الحياة والبقاء»، فالشاب أخرج أفلامه تحت القذائف «على سطح دمشق»، ويرى أن السينما رسالة لترويج ثقافة الحياة في بلد «الياسمين»، ورغم الظروف الصعبة، حصلت أفلامه على عشرات الجوائز في المهرجانات العربية والدولية.

جوائز أخرى حصل عليها الرياضي أحمد الحسن، وهو لاعب بناء أجسام، يعيش في دمشق، شارك ضمن الحرب في بطولات محلية ودولية.

تأقلم الحسن (40 عاماً) وعائلته مع ظروف الحرب، لا يزال يمارس تدريباته يومياً، ويزاول مهنته الأساسية كطبيب أسنان، مقاوماً لكل الظروف والتوقعات، انطلاقاً من إيمانه بالقضاء والقدر.

شاب آخر يواظب على المسير والتخييم في المحافظات السورية، إلى جانب عمله كموظف في إحدى الشركات الخاصة في العاصمة، عمر الحافظ (38 عاماً)، يرى أن الحديث عن خطر الموت المحدق بالسوريين في الداخل أمر مبالغ فيه، ويتحدث عن حالة «لا مبالاة جماعية» لدى السوريين بعد سبع سنوات، لا يقتنع الشاب الدمشقي بمؤشرات الأمم المتحدة، وفضل البقاء في دمشق ولم يركب موجة الهجرة إلى أوروبا.

الإعلامية ميريلا أبو شنب، رفضت أيضاً الخروج من سوريا، رغم تجربتها الإعلامية التي تتيح لها فرصاً جيدة في الخارج، لا تزال حتى اليوم مرابطة في دمشق، اعتاد السوريون على صوتها كل صباح، حيث تعمل في الإذاعة منذ عشر سنوات، ترى أبو شنب أن السوريين أمام خيارين، إما التأقلم والبقاء، أو الهرب، وهو ناتج عن ضعف وفق رؤيتها.

تواكب ميريلا كل جديد في الـ «سوشال ميديا»، صنعت مؤخراً برنامجاً إذاعياً يومياً على حسابها الفيس بوك، مؤمنة بالقدر، تحب الحياة، ولا تخاف من الموت كما تقول، وخلافاً لمؤشرات الأمم المتحدة تتوقع أن تعيش فوق الثمانين عاماً.

الصحافي علاء حلبي، لا يخفي أن الموت كان هاجساً لديه في بداية الحرب، ولكن مع تحول الفراق إلى قاعدة لا استثناء، يرفض الدخول في توقعات الحياة، لا يتوقع كم سيعيش، بل يخطط لما سيقوم به خلال السنوات القادمة، ويرى أن هذا الأمر ينطبق على السوريين في المناطق الساخنة، يقول ابن مهنة المتاعب «الموت ساهم بزيادة تشبثنا بالحياة».

متشبثة بالحياة أيضاً، تقف المعلمة آمنة باكير (35 عاماً) صباح كل يوم في باحة إحدى المدارس بحي باب توما الدمشقي، لا يغيب عن ذاكرتها المشهد الذي حدث قبل سنوات، عندما سقطت قذيفة في باحة المدرسة، وتحول عشرات الأطفال إلى أشلاء، أثناء ترديدهم نشيد البلاد.

من يتوقع بأن يموت هؤلاء؟ ما جدوى أن أتوقع كم سأعيش؟،  تقول باكير، ما يحصل فاق جميع التوقعات، أصبح الموت عادياً وفقد رهبته.

---------------

* مؤشر العمر المتوقع عند الولادة «توقعات الحياة»: يعني عدد السنوات التي يتوقع أن يحياها طفل منذ الولادة في حال استمرار عوامل الوفاة السائدة وقت ولادته وفق ما هي عليه طوال حياته.

وحسب المؤشر وصل معدل توقع حياة الإنسان السوري عند الولادة إلى 52 عاماً في العام 1960، وارتفع المؤشر تدريجياً، حتى وصل إلى 70 عاماً في الثمانينيات، وسجل 77 عاماً في 2010، وعند بدء الصراع السوري بدأ المؤشر بالانخفاض تدريجياً نتيجة تدهور الأوضاع حتى وصل إلى 63 سنة في العام الماضي.