AP - قارب على الشواطئ الليبية.

انتصار البرعصي تكتب: هارب من جنة أوروبا!

عندما تضيق سبل العيش وتزداد ضبابية المستقبل حتما سيبحث الشباب عن مكان خارج الوطن لتحقيق أحلامهم، كثيرون منهم يعتقد بأن أوروبا ستكون مكاناً مناسباً لحياة أفضل، ولن تكون هناك طريقة للانتقال للعيش في أوروبا أنسب من الهجرة.

رياض شاب ليبي يبلغ من العمر 34 عاما تزوج بعد ثورة فبراير من 2011 وأنجب ولداً، خسر وظيفته كصحفي بإحدى المؤسسات الخاصة إثر انطلاق الحرب في بنغازي في عام 2014 ولم يعد لديه ما يعيل به أسرته.

الأوضاع الصعبة في ليبيا قبل وبعد الثورة كانت السبب وراء خوض رياض تجربة الهجرة عبر اللجوء الإنساني، فعن رحلته إلى ألمانيا قال ”كنت من بين المحظوظين الذين تحصلوا على تأشيرة شنغن ودخلت أوروبا بشكل قانوني، بخلاف كثر أرغموا على عبور البحر واستقلوا مراكب الموت”، بعد أن وصل رياض لألمانيا رفض الخروج، وهناك تقدم بطلب للجوء، وأودع بأحد المخيمات في ولاية ساكسونيا شرقي ألمانيا.

يفترض رياض بأن التعميم السائد الذي يصف سلوك المهاجرين بالسيء تسبب في تعرضه ومن شاركه مخيم اللجوء لعنصرية ومعاملة غير إنسانية، فالجرائم التي كان يرتكبها المهاجرون العرب كتعاطي المخدرات والسرقة والقتل والاغتصاب شوهت سمعة العرب ولاجئي المغرب العربي على وجه التحديد بحسب ما لاحظ، حيث علق بحسرة “للأسف، الليبيون قدموا بعض النماذج من اللاجئين سيئي السمعة”.

أربعة أشهر من الظروف القاسية تحمَّلها بين مخيمين مختلفين بولاية ساكسونيا، المرحلة الأولى بدأها في مخيم كان معسكراً قديماً للنازيين، مسيج بالكامل ببوابات وأجهزة للمراقبة اعتبره رياض “معتقلاً” غير لائق للسكن وسط معاملة في غالبها سيئة وبأوضاع صعبة، كان يسمح لهم بالمغادرة نهاراً فقط ويخضعون للتفتيش الشخصي كلما غادروا وعادوا، وبعد العشاء يسجل اللاجئون حضورهم بتمام ليلي.

يصف رياض الأكل الذي يحجزه عنه طابور طويل بثلاث وجبات في قاعة كبيرة، يستلمه ببطاقة صفراء تحمل صورته “كان الأكل رديئاً كريه الرائحة، وعند توزيع كل وجبة تحدث مشاجرة، شخصياً كنت أكتفي بالأشياء المعلبة، وكوب قهوة”.

في المرحلة الثانية يتم نقل اللاجئ لفندق أو شقة أو مخيم أفضل، لسوء حظ رياض تم نقله لمخيم بمنطقة نائية على الحدود مع بولندا يسكنها مهاجرون روس، “كنا نسمع صيحات سكان المنطقة من خلف سور المخيم، والتي لم نفهم أنها سباب إلا بعد رميهم لنا بالحجارة”.

في المخيم الجديد كل لاجئ كان يحصل على 300 يورو كمنحة لذا ألغيت الوجبات الجاهزة وتمتعوا بمطبخ كبير مشترك، وكذلك الدخول والخروج أصبح أقل تشدداً، وهناك يقضي اللاجئ مرحلته الأخيرة في انتظار حكم المحكمة.

لطالما شعر رياض بأن الأمن يتغاضى عن مشاكل المهاجرين مع بعضهم البعض، حيث تنتشر الجريمة والابتزاز وسط أناس سيئين في معظمهم بحسب وصفه، ويقول “لم أكن محظوظاً منذ التقدم بطلب اللجوء، حصلت معي أخطاء في الإجراءات قيل إنها لا تحصل دائماً، أحسست بالإهانة كل يوم وبأنني في المكان الخطأ”.

كان الانتظار خياراً صعباً، يقول رياض “تتباطأ الإجراءات ببيروقراطية نظام اللجوء، والظروف السياسية لمناطق النزاع، فمثلاً أثناء تصاعد القتال في سوريا أوقفت كل إجراءات اللجوء وأعطيت الأولوية للسوريين”، لكن وبعد معاناة أربعة أشهر قرر رياض ودون تردد توقيف إجراء اللجوء والخروج من ألمانيا، على الرغم من محاولة محاميه إقناعه بالتراجع كون قضيته رابحة.

يكمل رياض سرد معاناته التي لم تتوقف عند هذا الحد “عندما أوقفت الإجراءات قالوا لي إن جواز سفري ضاع، والسفارة الليبية بألمانيا رفضت التعاون معي، موظفة هناك قالت لي : كما أعطيته للألمان، دعهم يرجعونه لك”، وعند هذا الحد انتهى تعاون السفارة معه.

وبمساعدة أصدقاء ألمان يعرفهم تمكن من العثور على جوازه أخيراً، وعاد لليبيا دون تردد، يختم رياض حديثه قائلاً “كان قراراً صائباً في رأيي، وواجب والتزام أمام نفسي وعائلتي التي تركتها ورائي في ليبيا، لن أظل في ليبيا. سأسافر مجدداً لكن لن أتقدم باللجوء إلى أي بلد كان، سأسافر طالباً أو بعقد عمل أو سائحاً فقط”.