أحد جدران شوارع مدينة اللاذقية - منذر مصري

منذر مصري يكتب: بحب عيونك وبايرن ميونخ

تتغير اللاذقية، ليس بالشيء السهل عليها أن تبقى كما كانت، ليس فحسب بعد هذه السبع السنوات القاسية والمريرة، بل أيضاً بعد خمسين سنة من الأحداث والملمات الجسام، التي عاشتها، ليس هي فقط، بل جميع أخواتها من المدن السورية. وإن على نحو، برأي الكثيرين، أشد وطأة بما لا يقاس. حتى إن نازحاً حلبياً، قال لي: "صدقاً لم أعرف سوريا التي يتحدثون عنها، إلّا عندما عشت في اللاذقية".

ولكن.. التغيير حق أكيد. لا شيء يبقى على حاله؛ لا ما كان، وقد طواه الزمن، بعد أن كان يبدو وكأنه أبديّ. ولا ما هو الآن يسود ويسيطر وكأنه أيضاً أبدي. ولا القادم مهما كان مظهره. "كل شيء عابر". وليس للواحد منا، مهما بلغ وهمه بقوته وقدرته أن يوقف هذه التغيرات، أو أن يحوّلها باتجاه يخالف مسراها الطبيعي والمنطقي والتاريخي. فهو إمّا يحزن لها، وإمّا يفرح بها. وذلك حسب موقعه ومصلحته في التغيير، وكذلك نظرته ومفهومه للحياة والواقع.

بالنسبة لي، أعترف بأنني ممن يحزنهم ما حلّ باللاذقية، وكنت أتمنى لو بقيت كما عرفتها، وأنا في فترة مراهقتي (قالت لي أمي: لم أنتبه لمراهقتك.. لم تمرّ بها)، وشبابي (وهذا ما لم أنتبه له أنا نفسي!)، أي في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، أو لو تغيرت كما كنت أحلم، بأن تصير لاذقيتي (بيروت) ما، أو (اسكندرية) ما، وذلك قبل أن يبدأ هذا الخراب بالحدوث، ويؤدي إلى ما أدى إليه.. خراب أشمل وأعمق. ولكني أيضاً، لطالما صدقت وآمنت ودعوت للتغيير، ولطالما كنت في الصفّ الجديد، مهما كان في بدايته فجّاً ومرّاً ففي رحمه الوعد بالمستقبل الأفضل والأجمل، لولا ذلك لما حدث التطور في الحقول الإنسانية كافة، لولا ذلك لما تقدمت الحضارة البشرية.

كنت أتمنى لو أتى التغيير في سوريا بلا ثمن، بلا تكلفة.. وأي تكلفة.. موت وتشريد وخراب.. وضياع وطن. ليت التغيير حدث فقط بالبيانات والهتافات والأغاني والرقص في الساحات. ولكن كيف له أن يكون كذلك حقاً؟. سيواجهني الكثيرون بهذا السؤال، ذلك لأنه حقّ أيضاً، ومن طبيعة الأشياء، ومنطق التاريخ، أن لكل شيء ثمن.

يالها من مقدمة ثقيلة لموضوع، كنت أرغب أن يكون طريفاً وممتعاً أكثر من أي شيء آخر، ألا وهو ما يخطه مراهقو وشباب اللاذقية، على جدران الأبنية وأسوار المدارس والحدائق العامة في جميع أنحاء المدينة دون استثناء. عبارات بوح وحب وغزل، بدل تلك التي كتبوها مرة، أو ربما كتبها إخوتهم الأكبر منهم سناً، الذين فقدتهم سوريا بطريقة أو بأخرى.. ليس: (سوريا بدها حرية) و(الله أكبر) و(يسقط النظام) و(الشعب السوري واحد)، وليس من الجهة الثانية: (الأسد للأبد) و(الله محيي الجيش) و(الله سوريا وبشار وبس).. بل:

1- (حبيت كنسبا لأجلك) صدقاً.. كنت مصرّاً، ولا أدري لماذا، على أن أقرأها (كرسانا). ولكن تصوروا عاشقاً من مشروع الصليبة، يحب، كرمى لحبيبته، قرية لا يعرفها بالتأكيد، فكنسبا تقع على حدود الشمالية الشرقية لمحافظة اللاذقية مع محافظة إدلب، وكان من الصعب إن لم يكن من المستحيل زيارتها خلال السنوات الست الأخيرة.

2- (طولها هالقد.. وطيرتلي عقلي) العاشق يفهمنا أن حبيبته قصيرة، ومع ذلك طيرت له عقله!.

3- (خدودك أطيب من طبخ أمي) من يصدق.. لهذه الدرجة خدود الحبيبة طيبة؟.

4- (فصعونتي بحبك) أبو غرام.. فاض به الحب!.

5-(أحبك هكذا) مع رسم كاريكاتوري يمثل الحالة.

6- (بحب عيونك وبايرن ميونخ) حب كبير.. من يستطيع أن ينكر.

7- (وغمازتك فرع آخر للنوتيلا) غمازة الحبيبة شوكولا ذائبة.

8- (وعدتك أن لا أحبك/ ثم أمام القرار الكبير جبنت/ وعدتك أن لا أكون ضعيفاً.. وكنت) وهاهو نزار قباني يعود!.

"لكل شيء وقت"..في الأمس، قال البعض:"هؤلاء الشباب الذين يخرجون في المظاهرات لا يمثلوننا". وكنت أجيبهم: "لكني.. لا أرى غيرهم يتقدّم لتمثيلنا". واليوم كذلك، حقيقة لا أرى غير هؤلاء الشباب الذين في مقتبل العمر، العامدين المتعمدين في رغبتهم نسيان مأساتهم، وتجاوزها، الناظرين إلى المستقبل بهذه العيون المفتوحة وهذه القلوب النابضة، هؤلاء العشاق، العشاق على الأرض، هم من يمثلونني.

وبعد هذا.. كم من الظلم وكم من القهر أن تُحرم الأجيال الجديدة في سوريا من حقها في وطن آمن وحرّ وكريم، يصلح للحياة والحب.. دون هذا:

9- (حبك مات).