ANP - النفط: المورد الوحيد الذي تعتمد عليه ليبيا، صورة لميناء الزويتينة النفطي.

بدرالدين الورفلي يكتب: «نوتيلّا» وجهٌ آخر للأزمة!

كانت موارد ليبيا النفطية عاملاً معززاً للشمولية والاستبداد، وكانت الفترة الطويلة التي قضاها معمر القذافي في الحكم تقتضي مقاومة أعنف لو أن البلاد لم تكن ذات وضع مالي جيد حتى في الفترات التي عدت صعبة إما بسبب انخفاض أسعار النفط أو الحصار، وأثناء الثورة كان جزء لا بأس به من الغضب الشعبي خصوصاً بين الشباب يتعلق بسياسة الدولة الاقتصادية، ولكنه لم يكن غضباً مدفوعاً بالجوع أو العجز عن إيجاد لقمة العيش، كان غضباً دافعه قناعة بأن النظام الحاكم تعمد حرمان المجتمع من مستوى أكثر ترفاً مقارنة بدول لها نفس الموارد، أي أن الخلل الهيكلي في بنية الاقتصاد الليبي المتمثل في كونه اقتصاداً أحادياً يعتمد على مورد واحد ناضب -هو النفط- لم يكن موضوعاً للنقاش بجدية، بل كان الجدال حول مدى العدالة في توزيع الثروة التي تعود على الدولة منه.

 بعد الثورة، ازدادت هذه القناعة وضوحاً، وزعت الأموال بطريقة عبثية دون معايير ولا تمييز، في وقت لم تكن فيه الثورة محتاجة إلى امتصاص غضب شعبي بهذه الطريقة، بل كان ممكناً أن تكون هذه الأموال مقابلاً لتسليم السلاح -مثلاً- لاسيما وأن الدولة كانت تدعي أنها مكافآت للثوار. وفي أول استحقاق انتخابي، غاب هذا الجانب مرة أخرى، وكانت وسائل الإعلام تعرض صورة لصراع يكون المختلف فيه "مكاسب معنوية"، بحيث أنك لو سألت أي متابع أن يضع عنواناً لها لقال إنها منافسة بين الليبراليين والإسلاميين، لا بين برامج انتخابية واضحة يكون الاقتصاد فيها -كما هي حال معظم بقاع الأرض اليوم- جوهرَ المنافسة .

 بُعيد منتصف عام 2015 ظهرت إشارات واضحة إلى أن المعيشة التي كانت خارج حساب المواطن تتجه إلى أن تكون أكثر غلاء بسبب ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية في السوق الموازية، ولأول مرة تقريباً انتبه الناس إلى أن مستوى معيشتهم الذي اعتادوه أصبح مهدداً، وزادت هذه الأزمة وطأة بظهور أزمة أخرى هي شح السيولة النقدية، وبدا واضحاً أننا مقبلون على مرحلة لا نتخلى فيها عن الكماليات فحسب، بل ربما واجهنا مشاكل تتعلق بأساسيات الحياة اليومية. هذه الفترة التي تقدر بعامين ونصف من المعاناة كان ينبغي لها أن تكون دورة مكثفة لليبيين، تطرح أسئلة جدية حول: ضرورة كسر الاعتماد على النفط، إنفاق الدولة المرعب على الرواتب، دعم المحروقات، التهريب، الأمن الغذائي والاستقلال الاقتصادي الذي يعد أهم عناصر الاستقلال الوطني، نقص الطاقة البشرية وانخفاض الكفاءة، ضرورة التنمية المستدامة، خطورة التفريط في جباية مستحقات الكهرباء، خطورة التهرب من دفع الضرائب وكل ما يتعلق بهوية الاقتصاد الليبي في المستقبل.

ولكن انخفاض سعر صرف العملة الأجنبية في السوق الموازية قبل حوالي أسبوعين أظهر أن هذه الدورة المكثفة ربما لم تؤد عملها بعد، وأننا نواجه خطر الخروج منها دون أن نكون قد تعلمنا شيئاً! صحيح أن الأزمة كان لها جانب إيجابي يتجلى في اتجاه الشباب الواضح نحو القطاع الخاص، وفقدان الثقة بالدولة، وتلاشي ظواهر الإهدار في المواد الغذائية الأساسية والقناعة التامة لدى مختلف فئات المجتمع بضرورة الشفافية ومحاربة الفساد، وبضرورة توحيد مؤسسات الدولة حتى تكون قادرة على مواجهة الأزمة، وبدور الأمن في انتعاش القطاع المصرفي، وغير ذلك من المواضيع التي كانت غائبة قبل ثلاث سنوات. كل ذلك صحيح ولكنه غير كاف، وحسبنا أن نتابع التضارب الغريب في المعلومات، وغياب التحليل العلمي الدقيق لما حدث، وإذاعة الناس للإشاعات على أنها حقائق، والغبطة بانخفاض أسعار "آي فون" و"نوتيلا" و"هيونداي آفانتي" حتى نوقن بأننا  لم نخرج من هذه الدورة المكثفة بالكثير .